أغلقت محافظة الغربية كوبري شنودة في الاتجاهين بمدينة طنطا، بعد انهيار جزئي وظهور الحديد بأرضيته، ما أدى إلى تعطيل محور يربط العجيزي بطريق القاهرة وتحويل آلاف المركبات إلى مسارات بديلة مزدحمة.

 

ويكشف الإغلاق أن الكوبري لم يتهالك بين ليلة وضحاها، بل تركت شكاوى المواطنين تتراكم منذ أعوام، حتى صار الانهيار وسيلة اكتشاف الخطر، ودفع السكان ثمن رقابة غائبة وصيانة مؤجلة وشبهات فساد تستوجب التحقيق.

 

تحذيرات سبقت الانهيار

 

بداية، رصدت الجهات التنفيذية هبوطا وحفرا وانهيارا في أجزاء خرسانية من أرضية الكوبري، قبل أن تقرر وقف المرور كليا واستدعاء لجنة هندسية لفحص سلامة بقية الجسم وتحديد أعمال الإصلاح المطلوبة.

 

ومنذ ذلك الحين، اضطر القادمون من نهاية منطقة العجيزي والمتجهون نحو طريق طنطا القاهرة إلى استخدام محاور بديلة، بما زاد زمن الرحلات وكثف التكدسات وأربك حركة الموظفين والطلاب وسيارات النقل والخدمات اليومية.

 

والأخطر أن أهالي طنطا سبق أن اشتكوا في مارس 2022 من تهالك رصف الكوبري وتكرار الحوادث فوقه، مؤكدين أن شكاواهم وصلت إلى المسؤولين دون استجابة تنهي الخطر أو تعيد تأهيل الطريق.

 

وبذلك، يصبح وصف الانهيار بالمفاجئ محاولة للهروب من سجل واضح من التحذيرات، لأن التآكل وظهور الحفر والأسياخ لا يحدثان فجأة، بل يسبقهما تدهور يمكن رصده بجولات فنية دورية وصيانة وقائية جادة.

 

كما أن تشكيل لجنة بعد سقوط أجزاء من الكوبري لا يمثل إنجازا إداريا، بل اعترافا متأخرا بأن أجهزة المتابعة لم تكتشف الخلل في موعده، أو اكتشفته ولم تخصص الأموال والإجراءات اللازمة لمعالجته.

 

ومن جانبها، أشرفت المهندسة شيماء عامر، مديرة هيئة الطرق والكباري بوسط الدلتا، على بدء أعمال الترميم، لكن المطلوب يتجاوز الإصلاح السريع إلى كشف سجلات الفحص السابقة وتحديد المسؤول عن ترك التآكل يتفاقم.

 

وعلاوة على ذلك، لم تعلن المحافظة موعد آخر فحص شامل للكوبري، ولا الجهة التي تسلمت تقارير صيانته، ولا قيمة الاعتمادات التي أنفقت عليه، وهي معلومات ضرورية لكشف ما إذا كان التقصير إهمالا أم فسادا.

 

في المقابل، ركز البيان الرسمي على التحويلات المرورية وحرص الأجهزة على السلامة، متجاهلا السؤال الأهم حول سبب استمرار السيارات والمواطنين في استخدام منشأة متدهورة حتى لحظة ظهور الانهيار والحديد المكشوف بأرضيتها.

 

المواطن يدفع الفاتورة

 

أما المواطنون، فيتحملون كلفة الإغلاق عبر استهلاك وقود إضافي وتأخر الوصول إلى أعمالهم ومواعيدهم، بينما لا تتحمل الجهة المقصرة أي خسارة معلنة، وكأن تعطيل محور يخدم المدينة مجرد أثر جانبي بلا مسؤول.

 

ولهذا، فإن الضرر لا يقتصر على قائدي السيارات، لأن الكوبري يخدم حركة البضائع وسيارات الأجرة والطوارئ، وأي إغلاق طويل يرفع تكاليف النقل ويضغط على الشوارع الداخلية ويهدد سرعة وصول الإسعاف والإطفاء.

 

وفي هذا السياق، تكشف خبرة أستاذ هندسة الإنشاءات وسيم رجب عزام أهمية الفحص الدوري للمنشآت الخرسانية ورصد التشققات والتآكل مبكرا، بدلا من انتظار سقوط أجزاء منها حتى تبدأ المعاينات والإصلاحات الطارئة.

 

وبناء على ذلك، كان يفترض أن تمتلك الجهات المسؤولة ملفا زمنيا لحالة الكوبري، يتضمن الأحمال والشروخ وطبقات الرصف والتسليح والصرف، مع قرارات واضحة للصيانة قبل وصول التلف إلى مرحلة تهدد سلامة العابرين.

 

كذلك، يكشف ظهور أسياخ الحديد أن المشكلة لا تتعلق بطبقة سطحية بسيطة فقط، بل باحتمال وصول الرطوبة والأملاح إلى التسليح، وهو ما يستوجب فحصا إنشائيا كاملا بدلا من ترقيع الحفر وإعادة فتح الطريق.

 

ومن ناحية أخرى، يبرز تخصص أستاذ هندسة الأشغال العامة محمد عبد السلام أيوب ضرورة ربط صيانة الكباري بخطط إدارة المرور، لأن تعطل محور رئيسي ينقل الأزمة فوريا إلى شبكة الطرق المحيطة والأحياء السكنية.

 

وبالمثل، كان يمكن تقليل الفوضى لو أعلنت المحافظة مسبقا خطة بدائل واضحة، ومدد الإصلاح المتوقعة، ونقاط الاختناق، ومسارات النقل الثقيل، بدلا من الاكتفاء بمطالبة المواطنين بالحذر وتحمل نتائج تقصير لم يصنعوه.

 

وفوق ذلك، يثير غياب جدول زمني معلن مخاوف من تحول الإغلاق المؤقت إلى أزمة ممتدة، خصوصا مع اعتماد الجهات المحلية على إصلاحات عاجلة تتأخر أو تتوسع بعد اكتشاف أضرار أكبر من المعلن.

 

فساد الصيانة المؤجلة

 

ومن ثم، يجب ألا تبدأ المحاسبة من يوم الانهيار فقط، بل من تاريخ أول شكوى موثقة، ومن أسماء المسؤولين الذين تسلموها، والقرارات التي اتخذوها، والاعتمادات التي طلبوها أو أهملوا طلبها.

 

إضافة إلى ذلك، تستوجب الواقعة مراجعة عقود الصيانة والمقاولين المنفذين، لأن الفساد لا يظهر دائما في رشوة مباشرة، بل قد يتجسد في أعمال رديئة أو استلام صوري أو تجاهل مخالفات مقابل حماية إدارية.

 

وعلى صعيد الرقابة، يفترض أن تتحرك النيابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات لفحص دورة الصيانة والإنفاق، بدلا من ترك الملف للجنة فنية قد تحدد طريقة الإصلاح دون تحديد المسؤولية المالية والإدارية.

 

وبحسب قواعد التخطيط العمراني التي يعمل عليها أستاذ التخطيط عمرو أحمد زينة، تقاس كفاءة البنية الأساسية باستمرارية الخدمة وقدرتها على تحمل الطلب، لا بعدد المشروعات الجديدة، لأن إهمال الأصول القائمة يهدر المال.

 

لذلك، تبدو مفارقة صارخة أن تنفق الدولة على محاور وكباري جديدة، بينما تترك منشأة حيوية داخل طنطا تتآكل رغم تحذيرات السكان، ثم تقدم الإغلاق الاضطراري باعتباره إجراء حريصا على أرواح المواطنين.

 

ومع ذلك، لا يجوز إعادة فتح الكوبري تحت ضغط الزحام قبل نشر نتيجة الفحص وضمان سلامة كامل الهيكل، لأن استعجال الحركة فوق جسم لم تحدد أسباب انهياره قد يحول التقصير الإداري إلى كارثة بشرية.

 

وعليه، ينبغي إعلان تقرير اللجنة كاملا، متضمنا أسباب التلف وعمر الكوبري وحالته الإنشائية والأعمال السابقة ومدة الإصلاح، مع تحديد أسماء الجهات التي قصرت وإحالتها إلى التحقيق بدلا من دفن المسؤولية.

 

إلى جانب ذلك، يجب نشر تفاصيل الأموال التي خصصت لصيانة الكوبري خلال الأعوام الماضية، وأسماء الشركات التي نفذت الأعمال، ومحاضر الاستلام، حتى يعرف المواطن إن كانت المخصصات أنفقت فعليا أم تبددت دون نتيجة.

 

وفي المحصلة، أغلق الفساد المحتمل والإهمال المتراكم طريقا يخدم آلاف المواطنين، ولم يكن الانهيار سوى النتيجة المرئية لسنوات من تجاهل التحذيرات، بينما بقيت مصالح الناس رهينة مسؤولين لا يظهرون إلا بعد الأزمة.

 

وأخيرا، لن تكون صيانة كوبري شنودة كافية ما لم تتحول الواقعة إلى مساءلة علنية، لأن ترميم الخرسانة دون ترميم منظومة الرقابة يعني أن كوبريا آخر سيغلق بالطريقة نفسها بعد فوات وقت الوقاية.