كشفت تقديرات خبراء المياه والمناخ أن أكثر من 80% من إيراد نهر النيل يأتي من الهضبة الإثيوبية، محذرة من أن اضطراب الأمطار في حوض النيل قد يضغط على الموارد المائية المصرية خلال السنوات المقبلة.
وتعيد هذه التحذيرات ملف الأمن المائي إلى قلب الأزمة السياسية، في وقت تواصل فيه السلطة طمأنة المواطنين دون كشف سيناريوهات المواجهة، بينما تتحمل الأسر والفلاحون كلفة العجز وسوء الإدارة وتراجع نصيب الفرد من المياه.
وبالتزامن مع ذلك، أثار انخفاض مناسيب المياه في بعض المناطق السودانية مخاوف من دخول النهر مرحلة جفاف، غير أن خبراء أكدوا أن المشاهد المتداولة لا تكفي وحدها لإثبات تراجع إيراد النيل بصورة خطرة.
وفي المقابل، ترتبط الأزمة السودانية بالحرب المستمرة وانهيار مرافق حيوية وتوقف محطات رفع المياه نتيجة انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والصيانة، ما أدى إلى تعطل وصول المياه للمواطنين رغم استمرار جريان النهر في مجراه الطبيعي.
مؤشرات لا تعني الجفاف
وأوضح أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي أن وصف ما يحدث في السودان بجفاف النيل غير دقيق، مؤكداً أن تعطل البنية الأساسية ومحطات الرفع يمثل السبب الأبرز وراء نقص المياه ببعض المناطق.
وأضاف شراقي أن تصريفات النيل الأزرق سجلت انخفاضاً طفيفاً خلال الأسابيع الأخيرة، لكنه شدد على أن هذا التراجع لا يصل إلى مستوى الأزمة، خصوصاً أن موسم الأمطار لا يزال في بدايته ويستمر حتى أكتوبر.
وبحسب تقديره، فإن توقعات مراكز المناخ في شرق أفريقيا تظل مؤشرات استرشادية قابلة للتغير، بينما يتوقف الحكم النهائي على كميات الأمطار المسجلة فعلياً فوق الهضبة الإثيوبية عند انتهاء الموسم ووصول التدفقات إلى السودان.
كما أن غرب إثيوبيا يمثل المصدر الأساسي لمياه النيل الأزرق، إذ يوفر مع بقية الروافد الإثيوبية أكثر من 80% من الإيراد السنوي للنهر، ما يجعل أي اضطراب طويل في أمطاره مؤثراً على دول المصب.
وعلى الجانب الآخر، جاءت الأمطار فوق المنابع الاستوائية، ولا سيما منطقة بحيرة فيكتوريا، أعلى من المتوسط خلال الموسم، وهو ما يوفر قدراً من الاطمئنان ويعوض جزئياً أي انخفاض محتمل في تدفقات النيل الأزرق.
ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع وفرة الأمطار في المنابع الاستوائية بوصفها ضمانة كاملة، لأن مساهمتها في إيراد النيل الواصل إلى مصر أقل من مساهمة الهضبة الإثيوبية، كما تتعرض المياه لفواقد كبيرة داخل المستنقعات.
وبالتالي، يحتاج تقييم الموقف إلى بيانات يومية معلنة عن الأمطار والتصرفات المائية ومخزون بحيرة ناصر، بدلاً من ترك المجال لتصريحات متفرقة لا تمنح المواطنين صورة متكاملة عن حجم الموارد والمخاطر المتوقعة.
فضلاً عن ذلك، يظل غياب المعلومات التفصيلية حول تشغيل سد النهضة عاملاً يزيد الغموض، إذ لا تملك دولتا المصب ضمانات ملزمة بشأن سياسات التخزين والتصريف خلال فترات الجفاف الممتد أو المواسم منخفضة الإيراد.
مناخ شديد التقلب
ومن جانبه، قال أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق علي قطب إن التغيرات المناخية أصبحت تعيد توزيع الأمطار ودرجات الحرارة عالمياً، موضحاً أن ظاهرة النينو تؤثر في حركة الغلاف الجوي وأنماط الهطول بشرق أفريقيا.
ووفقاً لقطب، يختلف تأثير النينو من موسم إلى آخر، فقد يؤدي إلى تراجع الأمطار في أجزاء من الهضبة الإثيوبية، بينما تتعرض مناطق أخرى لأمطار غزيرة، وهو ما يجعل التوقعات طويلة المدى محدودة الدقة.
كذلك، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر من الأنهار والبحيرات والخزانات المكشوفة، ما يفاقم الضغط على الموارد المائية، حتى في السنوات التي تسجل فيها منابع النيل كميات أمطار قريبة من المتوسط.
علاوة على ذلك، تؤثر الحرارة المرتفعة في حركة الرياح والكتل الهوائية وتوقيتات سقوط الأمطار، بما قد ينتج مواسم قصيرة شديدة الغزارة تليها فترات جفاف أطول، بدلاً من التوزيع المنتظم الذي تحتاجه الزراعة.
وفي السياق ذاته، أكد قطب أن الحكم على الموسم لا ينبغي أن يعتمد على النماذج المناخية وحدها، بل يجب انتظار القياسات الفعلية للأمطار والتدفقات، ومقارنتها بالمتوسطات التاريخية قبل إعلان وجود جفاف أو فيضان.
غير أن انتظار نهاية الموسم لا يعفي الحكومة من الاستعداد المبكر، لأن التخطيط المائي يفترض التعامل مع أسوأ الاحتمالات، عبر وضع بدائل واضحة للزراعة والشرب والصناعة إذا سجل الإيراد السنوي انخفاضاً كبيراً.
لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى توسيع شبكات الرصد الإقليمي وتبادل البيانات بين دول الحوض، بينما تعرقل الخلافات السياسية والحروب وانعدام الثقة بناء نظام إنذار مبكر قادر على مواجهة الفيضانات والجفاف بكفاءة.
ومن ناحية أخرى، تزيد الحرب السودانية صعوبة متابعة مناسيب النيل وتشغيل منشآته، كما تهدد محطات القياس والسدود وشبكات الري، ما يحول الأزمة الإنسانية هناك إلى خطر إضافي على إدارة المياه إقليمياً.
الحماية ليست مضمونة
وفي هذا الإطار، يرى وزير الموارد المائية والري الأسبق محمد نصر الدين علام أن السد العالي يمثل خط الدفاع الأساسي لمصر خلال سنوات الجفاف، بفضل المخزون الاستراتيجي المتراكم داخل بحيرة ناصر.
واستناداً إلى التجربة التاريخية، تعرض حوض النيل لجفاف استمر 7 سنوات بين عامي 1981 و1987، واضطرت مصر خلالها إلى سحب كميات كبيرة من مخزون البحيرة لتعويض تراجع الإيراد وتلبية الاحتياجات الأساسية.
ثم جاء فيضان عام 1988 بكميات استثنائية أعادت رفع مناسيب بحيرة ناصر، وهو ما أثبت قدرة السد العالي على تخزين فوائض المياه، لكنه كشف أيضاً أن استمرار الجفاف سنوات أطول كان سيضع البلاد أمام مأزق خطير.
ومن ثم، لا يجوز تقديم مخزون بحيرة ناصر بوصفه حلاً دائماً، لأنه احتياطي قابل للاستنزاف إذا تزامن انخفاض الأمطار مع تخزين إثيوبي واسع وزيادة الاستهلاك المحلي وارتفاع معدلات التبخر بفعل الحرارة.
إضافة إلى ذلك، تواجه مصر فجوة مائية متزايدة نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني وتدهور شبكات النقل والري، بينما تعتمد الحكومة بصورة متصاعدة على إعادة استخدام مياه الصرف واستيراد الغذاء لتعويض نقص الموارد.
وبناءً على ذلك، يصبح ترشيد الاستهلاك إجراء ضرورياً، لكنه يتحول إلى خطاب ظالم عندما يحمل المواطن والفلاح المسؤولية وحدهما، في حين تستمر خسائر الشبكات وتتوسع مشروعات عمرانية وسياحية كثيفة الاستهلاك للمياه.
وفي الأثناء، تحتاج الدولة إلى إعلان حجم المخزون المائي وخطط التعامل مع سنوات الجفاف بشفافية، لأن حجب المعلومات لا يحمي الأمن القومي، بل يضعف الرقابة العامة ويمنع المجتمع من إدراك حجم التحدي.
وأخيراً، لا يمثل انخفاض المناسيب في السودان دليلاً قاطعاً على جفاف النيل، لكنه جرس إنذار يكشف هشاشة المنطقة أمام الحرب والمناخ والسدود، ويؤكد أن الأمن المائي المصري لا يحتمل إدارة مغلقة أو طمأنة بلا ضمانات.

