أعلنت محافظة البحيرة تحرك فرقها التنفيذية وشركة مياه الشرب في مركزي دمنهور وكفر الدوار لمعالجة ضعف وانقطاع المياه، بالتزامن مع تفقد محطة تنقية دمنهور بطاقة 51000 متر مكعب يوميا، والنتيجة المعلنة هي تحسين الضغوط وإعادة انتظام الخدمة في شرنوب وإفلاقة وسنهور وزاوية غزال والقرى المحرومة.
تكشف الأزمة أن توفير مياه الشرب المنتظمة ما زال مرتبطا بالشكاوى والتحركات الطارئة، رغم إدراج المشروع ضمن مبادرة حياة كريمة، بينما تتحمل الأسر تكلفة تخزين المياه وتشغيل المضخات وشراء البدائل، وتكتفي المحافظة بوعود المتابعة الأسبوعية من دون إعلان موعد نهائي جديد بعد تجاوز الموعد السابق لإنجاز المحطة.
محطة متأخرة وقرى تدفع تكلفة الوعود المؤجلة
بدأت جاكلين عازر محافظ البحيرة جولتها بتفقد محطة تنقية مياه دمنهور الجاري تنفيذها ضمن حياة كريمة، برفقة أحمد عبد المنعم التراس رئيس شركة مياه البحيرة، حيث راجعت معدلات التنفيذ ومكونات المشروع، لكن المحافظة لم تعلن نسبة إنجاز محددة أو تاريخا ملزما لدخول المحطة الخدمة وإنهاء معاناة القرى المستهدفة.
وتشمل المحطة مأخذا للمياه وعنبر طلمبات للمياه العكرة وأحواضا للقلب والترويب ومبنى للمرشحات وخزانا أرضيا ومحطة لطلمبات المياه النقية، إلى جانب منشآت الكلور والكيماويات والكهرباء وأحواض معالجة وتجفيف الحمأة، وهي مكونات تؤكد حجم المشروع لكنها لا تجيب عن سبب استمرار تأخر تشغيله حتى يوليو 2026.
وسبق لشركة مياه البحيرة أن أعلنت في أغسطس 2025 أن توسعات محطة دمنهور بطاقة 51000 متر مكعب يوميا ستنتهي بنهاية 2025، غير أن الجولة الجديدة تحدثت مجددا عن دفع معدلات العمل والالتزام بالجدول الزمني، من دون تفسير رسمي لتجاوز الموعد أو تحديد الجهة المسؤولة عن التأخير.
وبحسب خطة التغذية المعلنة، تخصص المحطة 4 خطوط لإفلاقة و4 خطوط لسنهور و3 خطوط لشرنوب و4 خطوط لزاوية غزال، بما يجعل التأخير مؤثرا في نطاق سكاني واسع، خصوصا أن المحافظة أقرت بأن المشروع يستهدف القضاء على ضعف وانقطاع المياه في قرى دمنهور وأطراف المدينة.
وفي هذا السياق، توضح أستاذة الهندسة رشا الخولي أن تطوير محطات المياه لا يقتصر على زيادة أعدادها، لأن بعض المحطات تتوقف خلال الإحلال أو التجديد وتحتاج إلى تحديث أساليب الإنتاج القديمة، وهو ما يفرض نشر بيانات التشغيل الفعلية بدلا من الاكتفاء بالطاقة التصميمية التي لا تعكس دائما كمية المياه الواصلة للمنازل.
لذلك لا تستطيع المحافظة تقديم الجولة باعتبارها إنجازا مكتملا، فالمحطة لا تزال قيد التنفيذ بعد الموعد المعلن سابقا، والقرى ما زالت تسجل شكاوى من ضعف الضغوط والانقطاع، بينما لم يتضمن الإعلان الحالي قيمة الأعمال أو نسبة الإنجاز أو العقوبات المقررة على الشركات المتأخرة أو موعد التشغيل التجريبي.
شبكة متهالكة وإدارة تتحرك بعد تفاقم الشكاوى
انتقلت فرق شركة مياه البحيرة بالتزامن مع جولة المحافظ إلى قرية شرنوب، وبدأت فحص شبكات المياه وخطوط التغذية لتحديد الأسباب الفنية واتخاذ إجراءات لإعادة انتظام الضخ، وهو تحرك يثبت أن زيادة إنتاج المحطة وحدها لن تحل المشكلة من دون إصلاح الشبكات التي تنقل المياه إلى البيوت.
وكانت شرنوب قد شهدت في أغسطس 2025 أزمة أخطر، بعدما تحدث سكان عن انقطاع المياه لأكثر من 3 أيام وظهور غاز الميثان داخل الأنابيب، وأرجع فحص مبدئي الواقعة إلى اختلاط ناتج عن تهالك شبكة المياه، ما يكشف أن الأزمة الحالية ليست حادثا مفاجئا أو شكوى عابرة.
كما أعلنت شركة مياه البحيرة في 27 يونيو 2026 ضعف وانقطاع المياه في مناطق بمدينة دمنهور وقرى تابعة للمركز بسبب عطل فني بمحطة المياه، ودفعت حينها بفرق الطوارئ وسيارات مياه متنقلة، ثم عادت الشكاوى خلال أسابيع، بما يضع كفاءة الصيانة الوقائية وخطط الطوارئ تحت مساءلة مباشرة.
ويفسر الباحث المتخصص في إدارة الموارد المائية محمد حسن توفيق هذا النمط بأن الشبكات القديمة لا تتحمل الضغوط المرتفعة وتتعرض للتشققات والتسرب، كما يؤدي خفض الضغط إلى تراجع كفاءة التوزيع، ولذلك تصبح زيادة الإنتاج محدودة الأثر عندما تفقد الشبكة جزءا من المياه قبل وصولها إلى المستهلكين.
وأكد توفيق أن تجديد منظومة التوزيع يحتاج استثمارات كبيرة، لكنه شدد على أن الدولة لا تستطيع الاستمرار في تحمل تكلفة إنتاج مياه لا يستخدمها أحد بسبب التسرب، وتخدم ملاحظته أزمة البحيرة مباشرة لأن المشروع الجديد سيضخ كميات إضافية داخل شبكة ما زالت فرق الشركة تبحث عن أعطالها ميدانيا.
وعلاوة على ذلك، لم يقدم إعلان المحافظة تفاصيل عن الأعمال المنفذة في كفر الدوار رغم إدراج المركز في نطاق التحرك، كما لم يحدد القرى المتضررة هناك أو أسباب ضعف المياه أو الخطوط المطلوب إحلالها، وهو نقص يمنع الأهالي من معرفة جدول الإصلاح ومدى ارتباط مشكلاتهم بمحطة دمنهور.
غياب البيانات يحول المتابعة الأسبوعية إلى وعد بلا محاسبة
وجهت جاكلين عازر شركة مياه البحيرة بإعداد تقرير أسبوعي يتضمن معدلات التنفيذ ونسب الإنجاز، غير أن المحافظة لم تتعهد بنشر هذه التقارير أو إتاحتها للسكان، وبذلك تظل البيانات داخل الجهاز التنفيذي الذي يراقب نفسه، بينما لا يملك المواطنون وسيلة للتحقق من تقدم المشروع أو أسباب تأخره.
وربطت المحافظ استمرار التنسيق بسرعة ضخ المياه في شرنوب واستكمال المشروعات الجديدة، وقالت إن الشكاوى تحظى بمتابعة ميدانية حتى إزالة أسبابها، لكن التوثيق المنشور لا يتضمن عدد الشكاوى أو زمن الاستجابة أو نتائج الفحوص أو كمية المياه المتاحة حاليا أو الضغوط المسجلة على أطراف الشبكة.
ويضع المقرر الأممي المستقل المعني بالحق في مياه الشرب بيدرو أروخو أغودو إتاحة البيانات العامة في صميم ضمان الحق في المياه، وقد طالب عقب زيارته لمصر في فبراير 2026 بحرية الوصول إلى المعلومات، حتى يستطيع المواطنون المشاركة في مناقشة قضايا المياه ومراقبة جودة الخدمة وقرارات إدارتها.
وحذر أروخو أغودو من أن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الفئات الفق الفقيرة لا تتوقف عند وجود التوصيلات، بل تشمل صلاحية مياه الصنابير وسلامتها، كما أبدى قلقه من الملوثات التي قد لا يكتشفها المواطن بالطعم أو الرائحة، وهو تحذير يكتسب أهمية خاصة بعد واقعة شرنوب السابقة.
ومن ثم فإن إعلان حالة الطوارئ لا يعفي حكومة مصطفى مدبولي من مسؤولية تأخر الحل الجذري، خصوصا أن مدبولي أقر منذ سنوات بأن مصر تعاني مشكلة في توزيع المياه تجعل بعض القرى تواجه انقطاعات تمتد أياما، بينما تكشف أزمة البحيرة أن الخلل الذي اعترفت به الحكومة ظل قائما رغم تكرار المشروعات والوعود.
وتبقى المحاسبة مرتبطة الآن بإعلان موعد واضح لتشغيل محطة دمنهور ونشر نسب الإنجاز أسبوعيا ونتائج فحص شبكة شرنوب وخطة إحلال الخطوط في دمنهور وكفر الدوار، لأن وصول المياه النظيفة بصورة منتظمة حق أساسي، وليس خدمة موسمية تنتظر شكوى الأهالي أو زيارة المحافظ حتى تبدأ الأجهزة التنفيذية عملها.

