دخل عمال شركة وبريات سمنود للغزل والنسيج احتجاجهم الثامن خلال 12 عاما، داخل المصنع بمحافظة الغربية، عقب منع عاملات من الدخول ووقف العلاج وتأخر الأجور، ما فجر إضرابا شاملا وتصعيدا قانونيا ضد الإدارة.
سياسيا، يكشف انفجار الغضب داخل المصنع كيف تترك سلطة عبد الفتاح السيسي العمال فريسة لإدارات تتلاعب بأجورهم وعلاجهم، بينما تتحرك الأجهزة فقط لوقف الإضراب، لا لضمان الحقوق أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
إضراب يواجه أبوابا مغلقة
وبحسب مصادر نقابية، تجددت الاحتجاجات قبل أيام بعدما دخل عمال قسم النسيج إضرابا شاملا عن العمل، احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية والصحية، قبل أن تنضم إليهم عاملات قسم الملابس دعما للمطالب نفسها.
وفي تطور خطير، فوجئت مجموعة من العاملات بمنعهن من عبور بوابات المصنع والالتحاق بأماكن عملهن، في إجراء اعتبره العمال محاولة واضحة للضغط والترهيب وكسر وحدة الإضراب عبر استهداف المشاركات فيه.
وأمام هذا المنع، توجهت العاملات جماعيا إلى قسم شرطة سمنود، وحررن محاضر إثبات حالة ضد الإدارة، بهدف توثيق الواقعة وحماية أنفسهن من اتهامات محتملة بالانقطاع المتعمد عن العمل أو التحريض.
في المقابل، بدأت مفاوضات بين قيادات نقابية وإدارة الشركة بحضور ممثلين عن الأجهزة الأمنية، وطرحت خلالها وعود ببحث المطالب، مقابل إنهاء الإضراب فورا وعودة العمال إلى خطوط الإنتاج.
غير أن المحتجين رفضوا تعليق تحركهم مقابل وعود جديدة، مستندين إلى تاريخ طويل من التعهدات التي لم تنفذ، ومؤكدين أن استعادة العمل يجب أن تسبقها ضمانات مكتوبة بشأن الأجور والعلاج وعدم الانتقام.
وبالتالي، تحولت محاولة إغلاق أبواب المصنع أمام العاملات إلى عامل إضافي لتوسيع الغضب، بدلا من إنهائه، لأنها أكدت مخاوف العمال من استخدام الإجراءات الإدارية وسيلة لمعاقبة المشاركين وتفكيك الإضراب.
كما أن تحرير المحاضر حمل رسالة بأن العاملات لن يتركن الإدارة تصوغ رواية أحادية عن غيابهن، وأن توثيق المنع يمثل خط دفاع ضروريا أمام أي محاولة لاحقة للفصل أو توقيع الجزاءات.
علاج موقوف وأجور مجزأة
صحيا، بدأ السبب الأكثر إلحاحا للإضراب مع توقف خدمات التأمين الصحي والرعاية الطبية منذ مطلع 2026، بعدما رفضت الهيئة تقديم الخدمة نتيجة تراكم مديونيات الشركة وعدم سداد الاشتراكات المستحقة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد إفادات العمال أن الإدارة واصلت خصم حصص التأمين من رواتبهم شهريا، رغم عدم تحويلها إلى الجهة المختصة، بما حرمهم من خدمة دفعوا ثمنها ولم يتوقف الاقتطاع المالي مقابلها.
وبفعل هذا التوقف، وجد مئات العاملين أنفسهم بلا غطاء علاجي، وبينهم مرضى بأمراض مزمنة يحتاجون إلى أدوية ومتابعة منتظمة، وآخرون ينتظرون عمليات جراحية عاجلة لا تسمح أوضاعهم المادية بتحمل تكلفتها.
علاوة على ذلك، لم تقتصر الأزمة على الرعاية الصحية، إذ جدد العمال مطالبتهم بتطبيق الحد الأدنى للأجور أسوة ببقية شركات قطاع الأعمال، بعدما ظلت دخولهم أقل من القرارات الحكومية المعلنة.
ومن ناحية أخرى، رفض المحتجون استمرار تجزئة الرواتب وصرفها على دفعات متأخرة، لأن العامل لا يستطيع تقسيم إيجاره وفواتيره واحتياجات أسرته وفق جدول إدارة تتعامل مع الأجر كمنحة لا كحق مستحق.
إلى جانب ذلك، شكا العمال من وقف صرف مستحقاتهم المالية خلال فترات المرض، وهو إجراء يضاعف العقوبة على المصاب، إذ يفقد العلاج والتغطية الصحية ثم يحرم من جزء من دخله في الوقت نفسه.
لذلك، لا يمكن اختزال الإضراب في مطالبة بزيادة مالية، لأنه يدور حول حق العامل في راتب منتظم وعلاج فعلي وأمان وظيفي، وهي حقوق أساسية تحولت داخل المصنع إلى مطالب مؤجلة.
ومن ثم، يطرح استمرار خصم الاشتراكات دون تقديم العلاج أسئلة مباشرة بشأن مصير الأموال المقتطعة، ومسؤولية الإدارة والهيئة والجهات الرقابية عن ترك العمال يواجهون المرض وحدهم رغم انتظام الاستقطاع من أجورهم.
وفوق ذلك، يكشف ربط العودة إلى العمل بوعود غير محددة عن محاولة شراء الوقت، بينما تحتاج الحالات المرضية إلى تدخل فوري، ولا يمكنها انتظار جولة جديدة من الاجتماعات أو بيانات التهدئة.
12 عاما من الوعود
تاريخيا، بدأ مسلسل الاحتجاجات عام 2014، عندما دخل العمال اعتصاما مفتوحا أمام المصنع بسبب تأخر الرواتب عدة أشهر، واعتراضا على موقف النقابة العامة التي رأوا أنها لم تدافع عن مطالبهم بفاعلية.
ثم تجدد الغضب خلال عامي 2018 و2023، للمطالبة بصرف العلاوات السنوية المتأخرة وانتظام مواعيد الأجور، بعدما اعتادت الإدارة دفع الرواتب مجزأة بما أبقى الأسر في حالة دائمة من القلق.
وفي أغسطس 2024، بلغت الأزمة مستوى أكثر حدة، عندما نفذ العمال إضرابا واعتصاما شاملا استمر قرابة شهر، مطالبين بتطبيق الحد الأدنى للأجور بعد صدور قرارات رئاسية ووزارية تلزم المؤسسات به.
لاحقا، عاد العمال إلى الإضراب خلال مارس وأبريل 2026، بعدما استمرت الأسباب القديمة دون حلول جذرية، قبل أن يؤدي الحرمان الكامل من الرعاية الطبية إلى تفجير الجولة الاحتجاجية الثامنة.
وبناء على ذلك، تظهر الوقائع أن الإضرابات لم تكن أحداثا منفصلة أو تحركات مفاجئة، بل حلقات متصلة صنعتها إدارة تؤجل الأزمات وتراكم الديون والحقوق، ثم تواجه الغضب بالوعود والضغوط.
وبدلا من معالجة أصل الأزمة، تكرر الإدارة المفاوضات المشروطة بإنهاء الاحتجاج أولا، وهو ترتيب يطالب العمال بالتخلي عن وسيلة الضغط الوحيدة المتاحة لهم قبل الحصول على ضمانات قابلة للتنفيذ.
وعليه، تتحمل الجهات الحكومية مسؤولية مباشرة عن استمرار النزاع، لأنها أعلنت حدا أدنى للأجور دون ضمان تطبيقه، وتركت التأمين الصحي يتوقف رغم الخصومات، ولم تمنع استخدام البوابات لمعاقبة العاملات.
لزيادة الضغط، يطالب العمال بإعادة جميع الممنوعات إلى مواقعهن، واستئناف العلاج فورا، وسداد المتأخرات التأمينية، وصرف الأجور كاملة وفي مواعيدها، وتطبيق الحد الأدنى دون تجزئة أو تحايل إداري.
وفي المحصلة، يكشف الإضراب الثامن أن الأزمة لم تعد خلافا عابرا داخل مصنع، بل نموذجا لسياسة تدفع العمال إلى تمويل عجز الإدارة من أجورهم وصحتهم، ثم تواجه احتجاجهم بالمنع والتهديد.

