وقعت الشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات التابع للقوات المسلحة المصرية مطلع يونيو 2026 مذكرة لتطوير نحو 40000 منفذ تمويني وجمعيتي ومجمع استهلاكي تحت علامة كاري أون، فانتقل القلق من مخازن الدولة إلى دكاكين الفقراء.

 

وبالتالي لم يعد الأمر مجرد تحديث واجهات أو توحيد ألوان، بل حلقة جديدة في تمدد كيان تابع للقوات المسلحة داخل الغذاء والتعليم والتوزيع، بينما يقف المواطن والتاجر الصغير أمام سلطة اقتصادية تكبر بلا رقابة كافية.

 

من الدكان إلى الشبكة الموحدة

 

كما أن المشروع يطرح نفسه بوصفه تطويرا للتجارة الداخلية، فإن جوهره العملي يمس شبكة شديدة الحساسية تضم 30000 بدال تمويني و8500 منفذ جمعيتي وأكثر من 1000 مجمع استهلاكي، تخدم ملايين المصريين يوميا.

 

لذلك تصبح السيطرة على هذه الشبكة أكبر من قرار إداري، لأنها تعني التحكم في بوابة الدعم والسلع الأساسية، وتحويل منافذ صغيرة نشأت لخدمة الأحياء الشعبية إلى وحدات تابعة لهوية مركزية واحدة.

 

ومن ثم يخشى بقالي التموين أن يتحول شعار التطوير إلى إلزام مقنع، خصوصا مع غياب منشورات رسمية حاسمة تحدد هل الدخول اختياري أم إجباري، ومن يدفع تكلفة التجهيز، ومن يتحمل خطر الفشل.

 

غير أن تصريحات ماجد نادي، نقيب بقالي التموين، كشفت فجوة واسعة بين خطاب الوزارة وحسابات التجار، إذ لم تصلهم آليات واضحة للتحول، بينما تظل هوامش الربح محدودة بنحو 25 قرشا للعبوة الواحدة.

 

علاوة على ذلك تضع اشتراطات المساحة المقترحة عبئا إضافيا، لأن كثيرين يعملون في محال صغيرة لا تبلغ 30 مترا مربعا، ما قد يدفعهم إلى استئجار مقار جديدة بلا ضمان كاف لاستمرار النشاط.

 

بناء على ذلك تبدو القروض والحوافز المعلنة سلاحا ذا حدين، فالتاجر الذي لا يزال يسدد تمويل مشروعه الأول لن يرى في قرض جديد فرصة، بل حلقة إضافية من ديون صغيرة تخنقه يوميا.

 

في المقابل تتحدث الحكومة عن تحديث وتوحيد هوية وتحسين خدمة، لكن المشكلة أن الخطاب لا يجيب عن سؤال الرقابة والمنافسة، ولا يضمن ألا يتحول التاجر المستقل إلى تابع ضعيف في منظومة ضخمة.

 

ومن زاوية اجتماعية، تمثل شهادة منى السيد، صاحبة منفذ جمعيتي في كفر الشيخ، وجها حيا للأزمة؛ فالهالك والإيجار والكهرباء والضرائب والتأمينات تلتهم المكسب، بينما يبقى هامش الربح غير كاف للحياة.

 

القمح والزيوت تحت يد واحدة

 

إلى جانب التموين، يمتد جهاز مستقبل مصر إلى أكثر ملفات الغذاء حساسية، بعدما انتقلت إليه أدوار بارزة في استيراد القمح المخصص للخبز المدعم، والتعاقد على زيوت الطعام، وإدارة حلقات توريد استراتيجية.

 

كما أن مصر تستورد حكوميا نحو 5 ملايين طن قمح سنويا، فإن نقل هذه المهمة إلى جهاز عسكري الطابع يثير سؤالا خطيرا عن الشفافية، خصوصا عندما تنحسر المناقصات التقليدية لصالح ترتيبات مركزية.

 

لذلك جاء طلب الإحاطة المقدم من النائب أحمد فرغلي كجرس إنذار، بعدما تساءل عن فروق أسعار في القمح والزيوت قد تصل إلى مليارات الجنيهات سنويا، بين السعر العالمي وسعر التوريد للدولة.

 

ومن ثم لم يعد النقاش محصورا في جهة تستورد سلعة، بل في بنية قرار تسمح لجهاز واحد بأن يجمع الإنتاج والاستيراد والتخزين والتوزيع، وهي وصفة تقود عادة إلى ضعف المنافسة وصعوبة المحاسبة.

 

غير أن الحكومة تبرر ذلك برغبتها في التكامل وتقليل الوسطاء وخفض التكلفة، وهي عناوين تبدو جذابة على الورق، لكنها تفقد معناها حين يغيب الإفصاح التفصيلي عن الأسعار والعقود والهوامش والجهات المستفيدة.

 

على هذا الأساس يحذر الباحث عمرو عادلي من أثر توسع المشروعات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة على مستقبل القطاع الخاص، لأن دخول جهة تمتلك امتيازات مؤسسية يغير قواعد المنافسة ويضعف المستثمر المدني.

 

فضلا عن ذلك يرى الباحث يزيد صايغ أن الأدوار الاقتصادية للقوات المسلحة في المنطقة ترتبط بإعادة إنتاج الأنظمة السلطوية، لأن الاقتصاد لا يصبح مجالا للإنتاج فقط، بل أداة لبناء النفوذ السياسي.

 

وتأسيسا على هذا التحليل، لا يمكن فصل استيراد القمح والزيوت عن شبكة أوسع من السيطرة؛ فالغذاء في بلد مأزوم ليس تجارة عادية، بل ملف سيادي يمس الخبز والدعم والاستقرار الاجتماعي.

 

التعليم الفني كساحة تمدد جديدة

 

ثم انتقل الجهاز إلى التعليم الفني والزراعي، عبر اجتماعات وشراكات تستهدف ربط التدريب بمشروعات إنتاجية تابعة أو قريبة من الجهاز، وكأن المدرسة الفنية تتحول تدريجيا من مؤسسة تعليمية إلى ذراع تشغيل.

 

كما أن تطوير التعليم الفني ضرورة حقيقية، فإن ربطه بجهة اقتصادية مسيطرة يطرح مخاوف من اختزال الطالب في عامل موجه إلى مشروعات بعينها، بدلا من بناء مهارة حرة تنافس في السوق.

 

لذلك لا تبدو شراكات التعليم الزراعي معزولة عن مسار الزراعة والاستصلاح، فالجهاز المنشأ بقرار جمهوري رقم 591 لسنة 2022 توسع في الدلتا الجديدة والعوينات، مستهدفا ملايين الأفدنة خلال سنوات قليلة.

 

ومن ثم يصبح التعليم جزءا من خريطة السيطرة نفسها، حيث تبدأ السلسلة من الأرض والمياه والمحاصيل، ثم القمح والزيوت، ثم منافذ التموين، ثم تدريب العمالة الفنية التي تغذي هذه المشروعات.

 

وفي هذا السياق يشير تيموثي كالداس إلى أن أزمات الاقتصاد المصري تتصل بنموذج إنفاق مركزي لا يبني قطاعا خاصا تنافسيا كافيا، بينما يظل المواطن محاصرا بين الديون والغلاء وضعف فرص العمل.

 

غياب التوازن المؤسسي

 

غير أن الخطر الأوسع يتمثل في غياب التوازن المؤسسي، فحين تنتقل ملفات الغذاء والتعليم والتوزيع إلى كيان واحد، تتراجع أدوار الوزارات المدنية والهيئات الرقابية والقطاع الخاص والنقابات الصغيرة أمام مركز نفوذ ضخم.

 

كذلك تكشف تجربة كاري أون عن معادلة قاسية، فالدولة تطلب من التاجر الصغير أن يطور واجهته ويمول تجهيزه، بينما لا تمنحه يقينا بشأن الربح أو الاستقلال أو الحماية من الخسارة.

 

وبناء على ذلك، يتحول شعار مستقبل مصر إلى سؤال عن مستقبل المصريين أنفسهم؛ هل يكون الاقتصاد طريقا للعدالة والمنافسة والرقابة، أم مساحة جديدة لتغول الأجهزة على الخبز والدكان والمدرسة والسوق.

 

في النهاية، لا يرفض أحد تطوير المنافذ أو تحديث التعليم أو تنظيم استيراد الغذاء، لكن الرفض موجه إلى نموذج يراكم السلطة الاقتصادية في يد واحدة، ثم يطلب من الفقراء والصغار دفع الفاتورة بصمت.