حذّر خبراء اقتصاد في مصر، خلال يونيو 2026، من أن استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وممرات الطاقة والتجارة يهدد الاقتصاد المصري بضغط جديد على أسعار الوقود والغذاء والأسمدة والشحن، بما يرفع كلفة الاستيراد ويمدد موجة الغلاء.
وتأتي التحذيرات بينما يدخل المواطن المصري أي صدمة خارجية من أضيق أبوابها، لأن البلاد تستورد جانبا كبيرا من القمح ومدخلات الأعلاف والطاقة، وتتحمل الموازنة كلفة دعم وخدمة دين، ثم تتحول الزيادة العالمية إلى أسعار محلية.
طاقة مستوردة تضغط على الجنيه والموازنة
قال الدكتور أيمن غنيم، أستاذ إدارة الأعمال، إن التوترات الجيوسياسية المستمرة تضغط على الاقتصاد العالمي عبر قطاع الطاقة وسلاسل الشحن، مؤكدا أن استمرار الاضطراب يهدد النمو ويرفع التضخم في الدول المستوردة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية مباشرة لمصر، لأن أي صعود في النفط لا يبقى رقما في الأسواق العالمية، بل ينتقل إلى فاتورة الاستيراد والوقود والكهرباء والنقل، ثم يضغط على الجنيه والموازنة العامة.
كما أن مصر دخلت الأزمة من موقع هش، بعد موجات تضخم متراكمة ورفع متكرر لأسعار الوقود، حيث أعلنت الحكومة في مارس 2026 زيادات جديدة على منتجات بترولية بنسب وصلت إلى نحو 17%.
وبحسب تقديرات بحثية منشورة، يضيف كل ارتفاع قدره 10 دولارات في سعر النفط نحو 2.5 مليار دولار إلى فاتورة واردات مصر، ما يجعل كل توتر في الخليج عبئا مباشرا على الحساب الخارجي.
ومن هنا، يخدم رأي هاني جنينة محور الطاقة، لأنه ربط توقعات أسعار النفط بمسار التوترات الجيوسياسية، مؤكدا أن انخفاض المخاطر قد يضغط الأسعار، بينما يؤدي استمرار الحرب إلى إبقاء السوق فوق مستوياته الطبيعية.
وعلى هذا الأساس، لا تستطيع الحكومة المصرية تقديم الأزمة باعتبارها شأنا عالميا مجردا، لأن الاقتصاد المحلي يدفع ثمنها عبر الوقود والدولار والتضخم، خاصة عندما تتراجع مساحة الحماية الاجتماعية أمام كلفة الدين.
ثم تكشف تقديرات البنك الدولي خطورة المشهد، إذ رجح أن يتباطأ النمو العالمي إلى 2.5% في 2026، وحذر من هبوط أشد إذا انتقلت آثار الحرب إلى أسواق الطاقة والمال.
لذلك تصبح مصر أمام مسارين كلاهما مكلف، فإما تمرر الحكومة ارتفاع الطاقة إلى المستهلك في شكل زيادات جديدة، وإما تتحمل الموازنة دعما أعلى يضغط على العجز والاقتراض وخدمة الدين.
وفي الحالتين، يدفع المواطن الفاتورة بشكل مباشر أو مؤجل، لأن زيادة الوقود ترفع المواصلات والسلع، بينما زيادة العجز تفتح باب ضرائب ورسوم واقتراض جديد يضغط على الإنفاق الاجتماعي.
شحن وسلع أساسية ينقلان الأزمة إلى السوق المحلي
في المقابل، لا تقف الأزمة عند النفط، لأن التوترات في الشرق الأوسط تضرب الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، وهي قنوات شديدة الحساسية لمصر بسبب اعتمادها على الاستيراد في الغذاء ومدخلات الإنتاج.
وقد أشار الدكتور أيمن غنيم إلى أن الأزمة الحالية أقل حدة من جائحة كورونا في 2020، التي تسببت في انكماش الاقتصاد العالمي بنحو 2.88% بعد الإغلاق وتعطل الإنتاج والتجارة.
لكن المقارنة مع كورونا لا تطمئن مصر، لأنها تكشف أن الاقتصاد المحلي لا يزال مكشوفا أمام الخارج، وأن أي اضطراب في الشحن أو الطاقة ينعكس على السلع الأساسية قبل أن تصل الحماية للمواطن.
كما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أسعار السلع قد ترتفع مع استمرار التصعيد، وأن أسعار النفط قد تقترب من مستويات مرتفعة في سيناريو تعطيل منشآت الطاقة أو بطء عودة الصادرات.
وفي هذا السياق، يخدم رأي ممدوح الولي محور هشاشة التجارة الخارجية، لأنه يركز في كتاباته على أثر الطاقة والغذاء وقناة السويس وسعر الصرف في الاقتصاد المصري، وهي نقاط تتأثر فورا بأي توتر عالمي.
وبناء على ذلك، يصبح تراجع النمو العالمي خطرا مزدوجا على مصر، لأنه يقلل الطلب الخارجي والسياحة والتحويلات، وفي الوقت نفسه يرفع كلفة الواردات التي لا تستطيع البلاد الاستغناء عنها بسهولة.
كما توقعت رويترز في استطلاع حديث أن تؤثر الحرب في المنطقة على توقعات الاقتصاد المصري، عبر رفع الطاقة، والضغط على السياحة، وإبطاء تحويلات العاملين في الخليج، وتقليل رسوم قناة السويس.
ثم تظهر قناة السويس كأحد أوجه الخطر، لأن توترات البحر الأحمر وممرات الطاقة لا تضرب التجارة العالمية فقط، بل تمس موردا دولاريًا رئيسيًا تحتاجه مصر لتخفيف الضغط على العملة والاحتياطيات.
لذلك لا تنحصر الأزمة في مستورد يدفع أكثر، بل تمتد إلى دولة تحتاج دولارات السياحة والتحويلات والقناة، بينما يهدد التوتر نفس المصادر التي تستخدمها الحكومة لتسكين أزمة النقد الأجنبي.
غذاء وأسمدة يحاصران مائدة المصريين
على مستوى الغذاء، حذر الدكتور أيمن غنيم من أن قطاع الزراعة قد يكون بين الأكثر تضررا، لأن أسعار الأسمدة قد ترتفع بنسب كبيرة نتيجة اعتمادها على الغاز الطبيعي كمكون أساسي في الإنتاج.
وتهم هذه النقطة مصر بصورة خاصة، لأن أي ارتفاع في الأسمدة أو الأعلاف أو الشحن ينتقل إلى القمح والخضروات والدواجن والبيض واللحوم، ثم يظهر في ميزانية الأسرة اليومية لا في نشرات الأسواق فقط.
كما حذرت تقارير دولية من أن اضطراب الطاقة والأسمدة قد يدفع ملايين إضافية إلى انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يجعل الدول النامية المستوردة للغذاء والطاقة في موقع الخطر الأول.
وفي هذا المحور، تخدم سلمى حسين زاوية الموازنة والعدالة، لأنها تنتقد في أعمالها الاقتصادية ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتربط أعباء الدين والغلاء بقدرة الدولة على حماية الفئات الأقل دخلا.
ومن ثم، لا يكفي أن تتابع الحكومة الأسعار العالمية، لأن المطلوب سياسة تمنع انتقال الصدمة كاملة إلى الفقراء، عبر مخزون غذائي آمن، ورقابة على الأسواق، ودعم نقدي وعيني لا يتآكل أمام التضخم.
كذلك تكشف أزمة الأسمدة عن خلل أعمق، لأن مصر تمتلك صناعة أسمدة مهمة، لكنها تظل مرتبطة بسعر الغاز والتصدير والتزامات الشركات، بينما يحتاج الفلاح المحلي مدخلات مستقرة قبل موسم الزراعة.
وبالتالي، فإن ارتفاع الأسمدة لا يضرب الزراعة وحدها، بل يضرب الأمن الغذائي من الجذر، لأن المنتج الزراعي يواجه تكلفة أعلى، ثم يرفع السعر أو يقلل الإنتاج، وفي النهاية يدفع المستهلك.
كما أن استمرار الضغط على الغذاء والطاقة ينسف أي حديث حكومي عن تحسن مؤشرات الاقتصاد، لأن المواطن لا يقيس التعافي بنسب النمو، بل بسعر الخبز والمواصلات والكهرباء والبقول والزيت.
وعليه، تبدو مصر أمام امتحان لا يحتمل التجميل، فالتوترات العالمية كشفت أن الاقتصاد المحلي ما زال شديد الاعتماد على الخارج، وأن أي حرب بعيدة تتحول داخليا إلى فاتورة على المائدة والجيب.
وفي النهاية، لا يحتاج المصريون إلى تطمينات جديدة عن صمود الاقتصاد، بل يحتاجون خطة معلنة تقلل الاعتماد على الاستيراد، وتحمي الغذاء والطاقة من صدمات الدولار، وتمنع تحويل كل أزمة خارجية إلى غلاء داخلي.

