أعلنت حركة النهضة التونسية أن محكمة الاستئناف في العاصمة أصدرت أحكاما بالسجن ضد قيادات من الحركة، في قضية تتعلق بتهم التآمر على أمن الدولة ونسبة أمور زائفة لموظف عمومي، فيما تراوحت العقوبات بين سنتين و10 سنوات.
وتدفع الأحكام الجديدة الأزمة السياسية في تونس إلى مستوى أكثر صداما، لأنها تضيف حلقة قضائية جديدة إلى مسار بدأ منذ تركيز الرئيس قيس سعيد سلطاته بيده، ثم توسع لاحقا ليطال قيادات حزبية ومعارضين ونشطاء وإعلاميين.
أحكام جديدة تضرب قيادات النهضة
قالت حركة النهضة، في بيان، إن محكمة الاستئناف أصدرت أحكامها ضد عدد من قياداتها، دون أن تكشف أسماء المحكومين، مع إقرار المراقبة الإدارية في حق بعض المتهمين بعد انتهاء مدد العقوبة.
وبحسب الحركة، لم تستند القضية إلى وقائع مادية ثابتة، لأن الملف بدأ إثر وشاية تقدم بها شخص محجوب الهوية، زعم فيها أن عناصر من النهضة يديرون صفحات تحريضية تبث البلبلة داخل البلاد.
غير أن الحركة أكدت أن المعاينات الفنية والاختبارات التي أجريت خلال التحقيق أثبتت بطلان هذه الادعاءات، بما يحول الملف من قضية جنائية مكتملة الأركان إلى أداة ضغط سياسية ضد خصوم السلطة.
وتندرج الأحكام ضمن سلسلة قضايا حملت عنوان التآمر على أمن الدولة، وشملت خلال الأشهر الأخيرة سياسيين ونشطاء وإعلاميين ورجال أعمال وقضاة، في توسع لافت لاستخدام الاتهامات الأمنية داخل الصراع العام.
كما تشمل الاتهامات المتداولة في هذه الملفات محاولة المساس بالنظام العام، وتقويض أمن الدولة، والتخابر مع جهات أجنبية، والتحريض على الفوضى أو العصيان، وهي عناوين فضفاضة تستخدمها السلطة ضد أطراف متباينة.
وتقول السلطات التونسية إن المتهمين يحاكمون وفق القانون، وإن القضاء يتحرك عبر المؤسسات المختصة، لكن المعارضة ترى أن هذه القضايا لم تعد منفصلة عن مشروع قيس سعيد لتصفية المجال السياسي.
قضايا التآمر الملفقة تتحول إلى سلاح قضائي
اعتبرت حركة النهضة أن المحاكمة ذات طبيعة سياسية، لأنها جاءت داخل مناخ عام تتصاعد فيه الملاحقات ضد خصوم الرئيس، لا داخل مسار قضائي عادي يضمن للمتهمين محاكمة مستقلة عن الصراع السياسي.
ويستند موقف الحركة إلى تكرار القضايا المشابهة، إذ سبق أن أعلنت في نوفمبر الماضي صدور أحكام بالسجن ضد 9 من قياداتها في ولاية باجة، تراوحت بين عامين و12 عاما.
وقبل ذلك، نددت الحركة في مارس 2023 باعتقال الكاتب العام الجهوي لها في باجة محمد صالح بوعلاقي، وعدد من أعضاء المكتب الجهوي وأحد النقابيين بالمحافظة، ضمن مناخ أمني وقضائي متصاعد.
وبهذا التتابع، لم تعد قضايا النهضة تظهر كملفات منفصلة، بل كمسار ممتد يستهدف تفكيك البنية التنظيمية والسياسية للحركة، عبر نقل المعركة من الشارع والانتخابات إلى المحاكم وأوامر الإيداع بالسجن.
وتعزز هذه الأحكام صورة القضاء التونسي كأحد ميادين الصراع بعد 25 يوليو 2021، حين بدأ سعيد إعادة تشكيل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وفتح الباب أمام ملاحقات واسعة للمعارضين.
وفي هذا السياق، تبدو تهمة التآمر على أمن الدولة عنوانا مركزيا في خطاب السلطة، لأنها تمنح الملاحقات طابعا أمنيا خطيرا، وتضع الخصوم في موقع الاتهام الوطني قبل أن يفصل القضاء في التفاصيل.
كما يفاقم استخدام المراقبة الإدارية ضد بعض المتهمين أثر الأحكام، لأنها تمدد القيود على الحركة بعد انتهاء العقوبة، وتبقي المحكومين تحت عين السلطة حتى بعد الخروج من السجن.
معارضة محاصرة وسلطة تدفع البلاد إلى الخوف
تأتي الأحكام الجديدة بعد أيام من تصاعد الجدل حول أحكام أخرى صدرت ضد قيادات معارضة، بينها أحكام قاسية طالت رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وقيادات سياسية وأمنية سابقة في قضايا وصفتها المعارضة بالانتقامية.
وتحولت تونس، التي قدمت نفسها بعد ثورة 2011 كنموذج انتقال ديمقراطي عربي، إلى ساحة ملاحقات قضائية متلاحقة، بعدما تراجعت مساحة العمل الحزبي والإعلامي والمدني تحت ضغط قرارات السلطة.
ولذلك ترى قوى معارضة أن مسار سعيد لا يعاقب خصما واحدا، بل يعيد صياغة الحياة السياسية على قاعدة الخوف، حيث يصبح النشاط الحزبي أو الإعلامي قابلا للتحويل إلى تهمة أمنية.
ويزيد هذا المسار من عزلة السلطة داخليا، لأن كل حكم جديد ضد معارض يضيف دليلا في نظر خصوم الرئيس على أن القضاء يستخدم لتصفية الحسابات، لا لحماية الحقوق أو ضمان العدالة.
كما يضع الأحكام الأخيرة داخل سياق حقوقي أوسع، بعدما حذرت منظمات دولية من تصاعد الملاحقات ضد المعارضة والإعلام والمجتمع المدني، واعتبرت أن تونس تشهد تراجعا واضحا في ضمانات المحاكمة العادلة.
ورغم تمسك السلطة بخطاب القانون والمؤسسات، فإن الوقائع المتراكمة تمنح المعارضة مادة قوية لاتهام قيس سعيد بتحويل القضاء إلى أداة سياسية، خصوصا مع اتساع قائمة المستهدفين وتكرار التهم نفسها.
وتؤكد أحكام الاستئناف ضد قيادات النهضة أن الأزمة التونسية لم تعد خلافا انتخابيا أو صراعا حزبيا محدودا، بل أصبحت معركة مفتوحة حول من يملك حق العمل السياسي دون تهديد بالسجن.
وفي النهاية، تكشف هذه القضية أن السلطة التي وعدت التونسيين بتطهير الدولة من الفساد تدفع البلاد إلى مسار أكثر قسوة، حيث يتقدم القضاء على السياسة، ويتراجع المجال العام أمام منطق الاتهام والعقاب.

