كشفت مصادر حكومية، الخميس 11 يونيو 2026، أن نقاشات بعثة صندوق النقد الدولي مع الحكومة تطرقت إلى برنامج تمويلي جديد بين 3 و5 مليارات دولار، رغم تأكيد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عدم الحاجة لقرض جديد.

 

وتأتي التسريبات بينما يدفع المصريون تكلفة سنوات من التعويم والتقشف وبيع الأصول، في وقت تواصل الحكومة إعلان الاستقرار أمام الكاميرات، ثم تعود خلف الأبواب المغلقة إلى المؤسسة نفسها التي ربطت القروض برفع الأسعار والخصخصة.

 

نفي علني ومفاوضات خلف الأبواب

 

قال مصدر حكومي رفيع بوزارة المالية إن النقاشات مع بعثة صندوق النقد الدولي تناولت احتمال حصول مصر على برنامج تمويلي جديد في حدود 5 مليارات دولار، يبدأ بعد انتهاء البرنامج الحالي في ديسمبر 2026.

 

وأكد مصدر حكومي ثان داخل مجلس الوزراء أن النقاشات تطرقت بالفعل إلى ملف القرض الجديد، لكنه حدد القيمة المتداولة بين 3 و5 مليارات دولار، بما يكشف فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي ومسار التفاوض.

 

وكان مدبولي أكد قبل أيام أن الحكومة لا ترى حاجة للدخول في برنامج جديد مع صندوق النقد بعد انتهاء البرنامج الحالي، وقدم صورة تفيد بأن الاقتصاد قادر على مواصلة الإصلاحات دون تمويل إضافي.

 

لكن رواية المصدرين الحكوميين تنقل المشهد إلى اتجاه معاكس، لأن النقاش مع بعثة الصندوق حول برنامج جديد يعني أن الحكومة لا تزال تبحث عن مظلة خارجية لإدارة فجوة التمويل بعد 2026.

 

وبحسب الوقائع المنشورة، أنهت بعثة الصندوق أعمالها في مصر عشية إجازة عيد الأضحى، بينما كانت تتابع مراجعات البرنامج الحالي، وهو ما يمنح النقاش طابعًا عمليًا لا مجرد طرح نظري.

 

ومن هنا تأتي أهمية تقدير هاني جنينة، رئيس إدارة البحوث في الأهلي فاروس، إذ يرى أن من الصعب على أي دولة الجزم بصورة قاطعة بعدم حاجتها إلى الصندوق على المدى الطويل.

 

ويخدم هذا الرأي محور التناقض الرسمي، لأنه لا يهاجم الحكومة سياسيًا، لكنه ينسف اليقين الذي حاول مدبولي تسويقه، ويعيد ملف التمويل إلى منطقة الاحتمال المفتوح لا الحسم النهائي.

 

كما يربط جنينة قدرة مصر على التمويل خلال الأعوام المقبلة بالشرائح المتبقية من قرض الصندوق، والإصلاحات المالية، وبرنامج الطروحات، وإعادة هيكلة الدعم، وهي كلها ملفات مؤلمة اجتماعيًا للمواطن.

 

وبذلك لا تظهر العودة المحتملة للصندوق كخيار طارئ فقط، بل كامتداد لمسار بدأ باتفاق ديسمبر 2022، وتعثر في 2023، ثم عاد بقوة بعد صفقة رأس الحكمة في مارس 2024.

 

قرض أكبر بعد رأس الحكمة وأزمة لم تنته

 

أبرمت مصر اتفاقها الحالي مع صندوق النقد في ديسمبر 2022 بقيمة 3 مليارات دولار، قبل أن يتعثر البرنامج في 2023 بسبب إدارة سعر الصرف وتأخر بيع الأصول وتقليص دور الدولة.

 

ثم رفعت الحكومة قيمة التمويل في مارس 2024 إلى 8 مليارات دولار، بعد صفقة رأس الحكمة، في لحظة قدمتها السلطة بوصفها انفراجة كبرى لأزمة الدولار وسوق الصرف.

 

ومع ذلك، تؤكد النقاشات الجديدة أن الانفراجة لم تتحول إلى استقلال مالي، لأن الحديث عن برنامج آخر بعد ديسمبر 2026 يعني أن الفجوة الخارجية لا تزال أقوى من خطاب الطمأنة.

 

وتوضح بيانات الصندوق أن المجلس التنفيذي أتم المراجعتين الخامسة والسادسة في فبراير 2026، بما أتاح لمصر سحب نحو 2.3 مليار دولار، ورفع إجمالي المسحوبات إلى نحو 5.2 مليارات دولار.

 

غير أن الصندوق نفسه قال إن التقدم في الإصلاحات الهيكلية لا يزال غير متوازن، وخص بالذكر تقليص بصمة الدولة الاقتصادية وتسوية قواعد المنافسة باعتبارهما شرطين للنمو بقيادة القطاع الخاص.

 

وفي هذا المحور، تخدم قراءة الباحث الاقتصادي وائل جمال زاوية الدين والشفافية، لأنه ربط برامج الصندوق المتكررة بتخفيض الجنيه وتقليص الإنفاق الاجتماعي وبيع الأصول من دون معالجة الأزمة الهيكلية.

 

وتكشف تقارير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي حررها جمال أن تطبيق برنامج الصندوق بعد 20 شهرًا ارتبط بتخفيض الجنيه وتقليص الإنفاق الاجتماعي وبيع الأصول، بينما بقيت الأزمة تتفاقم.

 

لذلك يصبح قرض جديد محتملًا شهادة فشل لا شهادة ثقة، لأن الحكومة تعود للاقتراض بعد كل جولة تعويم وبيع أصول، ثم تطلب من المواطنين قبول موجة أسعار جديدة باسم الإصلاح.

 

كما يضغط السياق الإقليمي على المشهد، إذ أشارت المصادر إلى أن الحرب الأميركية على إيران وتداعياتها رفعت تكلفة استيراد النفط والغاز، خصوصًا مع استمرار غلق مضيق هرمز.

 

وبذلك تستخدم الحكومة الأزمة الخارجية لتبرير قرض جديد، لكنها تتجاهل أن الاقتصاد دخل هذه الحرب وهو مثقل بدين مرتفع واحتياجات تمويل ضخمة وسياسة إنفاق عام استنزفت موارد البلاد.

 

الخصخصة شرط الصندوق وفاتورة المواطن مؤجلة

 

قال مصدر حكومي داخل مجلس الوزراء إن أحد أبرز تحفظات الصندوق الحالية يتعلق بتأخر برنامج الخصخصة، وإن الحكومة تعول على استكمال الطروحات وجذب استثمارات أجنبية لدعم موارد النقد الأجنبي.

 

وجاء هذا التصريح بعد إعلان الحكومة منح الكازار الإماراتية امتياز تشغيل محطة جبل الزيت للطاقة المتجددة، في أول صفقة خصخصة منذ فترة طويلة بعد تأجيلات متكررة لصفقات أخرى.

 

وتضع هذه الصفقة الخصخصة في قلب التفاوض الجديد، لأن الصندوق لا ينظر فقط إلى حجم القرض، بل إلى قدرة الحكومة على بيع أصول وجذب دولارات وتوسيع مساحة القطاع الخاص.

 

لكن التجربة المصرية تجعل السؤال أكثر حدة، فمن يضمن أن بيع الأصول سيغلق فجوة التمويل بدل أن يؤجلها، ومن يضمن أن الحصيلة لن تذهب لسداد التزامات قديمة بدل بناء إنتاج جديد.

 

وفي هذا الجانب، تخدم ملاحظة إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي في ثاندر، ملف المخاطر الخارجية، إذ حذرت من أن العوامل الدولية قد تفجر أزمات مفاجئة في العملة وميزان المدفوعات.

 

ويعني ذلك أن الحكومة لا تواجه مشكلة قسط قرض فقط، بل تواجه اقتصادًا شديد الحساسية لأي صدمة في الفائدة أو الطاقة أو الدولار، وهي حساسية صنعتها سنوات الاعتماد على الأموال الساخنة والديون.

 

كما أن الحديث عن برنامج جديد بقيمة أقل من 8 مليارات دولار لا يعني فاتورة أقل للمواطن، لأن شروط الصندوق قد تكون أثقل من الرقم نفسه إذا ارتبطت بالدعم والطروحات والضرائب.

 

ومن ثم يصبح التناقض بين تصريح مدبولي وتسريبات المصادر أكثر من خلاف حول صياغة، لأنه يكشف سياسة تقول للداخل إن الوضع مستقر، وتقول للصندوق إن البلاد تحتاج ترتيبًا جديدًا.

 

وقد كرر صندوق النقد في تقاريره أن خفض دور الدولة في الاقتصاد وتسريع بيع الأصول يمثلان جزءًا أساسيًا من الإصلاح، وهو ما يضع الحكومة أمام ضغط مباشر لاستكمال ما تؤجله.

 

وتبقى الأزمة أن المواطن لا يشارك في قرار الاقتراض ولا يعرف تفاصيل المفاوضات، لكنه يتحمل تبعاتها في سعر الخبز والكهرباء والوقود والدواء وتراجع الإنفاق الحقيقي على الخدمات العامة.

 

كما أن الحكومة لم تقدم حتى الآن كشفًا واضحًا بحصيلة برامج الطروحات السابقة وأثرها على الدين والإنتاج، وهو غياب يجعل كل قرض جديد امتدادًا لدفتر قديم بلا مراجعة شعبية.

 

وفي النهاية، تكشف عودة الحديث عن قرض جديد أن مصر لم تخرج من دائرة صندوق النقد، بل انتقلت من برنامج إلى آخر، بينما تتبدل العناوين الرسمية وتبقى الفاتورة نفسها على المواطن.

 

ولهذا لا تكفي عبارة لا نحتاج قرضًا جديدًا، لأن مصادر الحكومة نفسها تفتح بابًا آخر بعد ديسمبر 2026، وتؤكد أن الاقتصاد الذي أعلنوا تعافيه لا يزال ينتظر ختم الصندوق.