أعلنت حكومة الانقلاب، عبر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، دراسة التحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي خلال العام المالي 2026-2027، بما فجّر اعتراضات برلمانية وحزبية واسعة خشية ضرب الحماية الاجتماعية.
يرتبط الجدل مباشرة بحياة ملايين الأسر التي تعتمد على الخبز والتموين لمواجهة الغلاء، لأن أي مبلغ نقدي ثابت قد يتحول سريعًا إلى رقم عاجز أمام أسعار تتحرك أسرع من دخل المواطنين.
النقد الثابت أمام تضخم يبتلع الحماية
ويتمثل الخطر الأول في أن الدعم النقدي لا يحمل ضمانة تلقائية ضد ارتفاع الأسعار، لأن المواطن سيحصل على مبلغ محدد، بينما تتحرك أسعار الغذاء والمواصلات والطاقة بصورة مستمرة داخل السوق.
لذلك حذر النائب إيهاب منصور من أن المشكلة لا تكمن في الفكرة وحدها، بل في آليات التطبيق، خصوصًا عند نقل عشرات الملايين من منظومة الخبز والتموين إلى نظام نقدي مباشر.
كما أوضح منصور أن أي مبالغ تخصصها الحكومة قد تفقد جانبًا كبيرًا من قيمتها خلال فترة قصيرة، لأن التضخم يحول الدعم من حماية فعلية إلى بدل مالي لا يكفي السلع الأساسية.
وتدعم الخبيرة الاقتصادية عالية المهدي هذا التخوف من زاوية الأسعار، إذ ترى أن الدعم العيني أفضل في ظروف التضخم، لأنه يضمن وصول الغذاء الأساسي ويحد من إنفاق الدعم في مسارات أخرى.
وبناء على ذلك، لا تصبح كفاءة الإنفاق حجة كافية، لأن الدعم الذي يصل سريعًا ثم يتآكل سريعًا لا يحمي الفقير، بل ينقل إليه مخاطرة السوق كاملة دون ضمان سعري.
في المقابل، تواصل الحكومة تقديم التحول النقدي باعتباره وسيلة لتقليل الهدر والتسرب، غير أن هذا المبرر يصطدم بسؤال معيشي مباشر عن قيمة الرغيف والسلعة بعد أول موجة غلاء جديدة.
ثم تتسع المخاوف مع بيانات التضخم، حيث سجل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 13.4% في أبريل 2026، وهو مستوى يجعل أي دعم ثابت بحاجة إلى مراجعة دائمة لا قرار واحد.
بيانات المستحقين ثغرة قبل التحول
ولا تقف الأزمة عند الأسعار، لأن نجاح الدعم النقدي يشترط قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، قادرة على تحديد المستحقين دون إسقاط الأسر الهشة أو تمرير الدعم لغير المحتاجين.
وبحسب اعتراضات نواب، لا تزال الدولة تواجه تحديًا إداريًا في تحديث قواعد البيانات وربطها بمؤشرات الدخل والإنفاق والفقر، خاصة مع اتساع العمل غير المنتظم وصعوبة قياس الدخل الحقيقي.
كذلك ترى النائبة سناء السعيد أن الدعم النقدي يفقد فعاليته عندما لا يواكب التضخم، بينما يوفر الدعم العيني سلعًا محددة بأسعار مدعومة تمثل شبكة أمان أكثر وضوحًا للفئات الفقيرة.
وفي هذا المحور، يضع الخبير الاقتصادي هاني توفيق شرطًا حاسمًا للعدالة، إذ يؤكد أن قيمة الدعم النقدي يجب أن ترتبط بالتضخم وتراجع دوريًا كل 3 أشهر على الأقل.
ومن دون هذا الربط، تتحول قاعدة البيانات إلى أداة فرز قاسية لا أداة حماية، لأن الأسرة قد تثبت استحقاقها إداريًا ثم تحصل على مبلغ لا يشتري احتياجاتها الشهرية.
فضلًا عن ذلك، تحتاج الحكومة إلى آلية تظلم سريعة وملزمة، لأن الخطأ في بيانات الدخل أو الملكية أو عدد الأفراد قد يحرم أسرة كاملة من التموين دون تعويض فوري.
وهنا يصبح التحول الرقمي غير كاف بمفرده، لأن البطاقة الإلكترونية أو المحفظة المالية لا تحمي المواطن إذا غابت قواعد المراجعة والتصحيح والاعتراض وسقف زمني واضح للرد.
ضمانات غائبة وخبز تحت ضغط السوق
وتزداد حساسية الملف لأن منظومة الخبز والتموين ليست هامشية، إذ يستفيد نحو 68 مليون مواطن من الخبز المدعم، بينما يحصل نحو 61 مليون مواطن على سلع تموينية أساسية.
كما بلغت مخصصات دعم السلع التموينية والخبز في موازنة 2025-2026 نحو 160 مليار جنيه، بينها نحو 124 مليار جنيه للخبز ونحو 36 مليار جنيه للسلع التموينية.
وبسبب هذا الحجم، لا يمكن التعامل مع التحول النقدي كتعديل إداري بسيط، لأنه يمس أكبر شبكة غذاء يومية في البلاد، ويمتد أثره إلى المخابز والبدالين والأسواق والأسر.
وترى الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن دعم الخبز منفعة عامة لا مجرد بند إنفاق، لأن الرغيف المدعم يضمن حدًا أدنى من الأمن الغذائي عندما تفشل الأجور في ملاحقة الأسعار.
لذلك، يثير التحول النقدي عاصفة سياسية لا بسبب رفض تطوير الدعم، بل بسبب غياب ضمانات معلنة تحافظ على القوة الشرائية، وتحمي الأسر من تركها وحدها أمام السوق الحر.
ومن جانبه، طالب رئيس حزب الجيل الديمقراطي ناجي الشهابي بآلية قانونية ملزمة تربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم، حتى لا يتحول الدعم إلى مبلغ رمزي يتراجع عامًا بعد آخر.
وتكشف هذه المطالب أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول اسم المنظومة، بل حول من يتحمل صدمة الأسعار، الحكومة عبر السلع المدعومة، أم المواطن عبر مبلغ يتآكل داخل السوق.
كما أن الحديث عن تقليل الهدر لا يبرر تعريض الحماية الاجتماعية للتآكل، لأن علاج الفساد في سلاسل التموين يجب أن يتم بالرقابة والمحاسبة لا بسحب السلعة من يد الفقير.
وبالتالي، يحتاج أي تحول إلى إعلان قيمة واضحة للدعم، ومؤشر مراجعة تلقائي، وضمان بقاء الخبز محميًا، وبرنامج تجريبي محدود، وتقييم معلن قبل نقل ملايين المواطنين إلى النظام الجديد.
وفي الخلاصة، يضع الدعم النقدي الحكومة أمام اختبار قاس، لأن الفقراء لا يحتاجون وعدًا بالكفاءة، بل يحتاجون حماية لا تذوب ولا تتلاشى عند المخبز والسوق وموقف المواصلات.
لذلك ستظل العاصفة السياسية مستمرة ما دامت الحكومة تتحدث عن التحول قبل إعلان ضمانات الأسعار والبيانات والتظلمات، لأن الدعم ليس ورقة مالية، بل آخر خط دفاع عن معيشة ملايين الأسر.

