يرى الصحفي سعيد الغيطاني أن ما يجري في مصر لم يعد فشلاً اقتصادياً عابراً أو سوء إدارة يمكن تجاوزه، بل مساراً منظماً لإعادة تشكيل الدولة على أساس الفقر والتبعية والعجز الدائم. فعبد الفتاح السيسي، في تقديره، لا يتحدث كرجل دولة يسعى إلى بناء بلد قوي ومكتفٍ وقادر على حماية قراره الوطني، بل كمدير أزمة يهيئ المصريين لقبول الانهيار باعتباره قدراً جغرافياً لا فكاك منه، بعدما انتقل من وعد “مصر قد الدنيا” إلى خطاب يؤكد استحالة الاكتفاء، وضيق الأرض، ونقص المياه، ودوام الحاجة إلى الاستيراد.

 

ويمضي الغيطاني في طرح زاوية أكثر خطورة، مفادها أن تصريحات السيسي ليست منفصلة عن سياساته، بل تكملها وتكشف جوهرها؛ فمن توقيع اتفاق إعلان مبادئ سد النهضة، إلى بيع الأصول والموانئ والشركات، ومن تحويل مصر إلى مستورد ضخم للغذاء والطاقة، إلى فتح الأراضي الزراعية أمام الاستثمارات الأجنبية، ثم شراء الغاز من إسرائيل، تبدو الصورة، في رؤيته، أقرب إلى هندسة سياسية واقتصادية تدفع أكبر دولة عربية نحو التبعية الدائمة، وتجعل الفقر أداة حكم لا مجرد نتيجة جانبية.

 

من الفشل الاقتصادي إلى مشروع التبعية

 

لم يعد ما يحدث في مصر، كما يرى سعيد الغيطاني، مجرد فشل اقتصادي أو سوء إدارة عابر، بل يبدو كأنه مشروع متكامل لإعادة تشكيل الدولة المصرية على أساس الفقر والتبعية والعجز الدائم.

 

فعبد الفتاح السيسي لا يتحدث، بحسب هذه الرؤية، مثل قائد يريد بناء دولة قوية مكتفية وقادرة على حماية قرارها الوطني، بل يتحدث باستمرار كمدير أزمة يهيئ شعباً كاملاً لقبول الانهيار باعتباره “حقيقة جغرافية” لا يمكن تغييرها.

 

فالرجل الذي وعد المصريين ذات يوم بـ“مصر قد الدنيا”، هو نفسه الذي يخرج اليوم ليقول إن الاكتفاء الذاتي مستحيل، وإن الأراضي لا تكفي، وإن المياه غير كافية، وإن الاستيراد سيظل ضرورة أبدية.

 

لكن الأخطر من التصريحات نفسها، في قراءة الغيطاني، أن سياسات السيسي على الأرض تؤكد أن ما يجري ليس اضطراراً، بل اختياراً سياسياً متعمداً.

 

ففي عهده جرى توقيع اتفاق إعلان مبادئ سد النهضة، الذي منح إثيوبيا شرعية سياسية لمشروع يهدد حياة المصريين، كما بيعت أصول الدولة وموانئها وشركاتها، وتحولت مصر إلى مستورد ضخم للغذاء والطاقة، وفُتحت الأراضي الزراعية أمام استثمارات أجنبية بينما يعاني المصري من الغلاء والجوع.

 

وفي المسار نفسه، أصبحت القاهرة تشتري الغاز من إسرائيل، رغم أن النظام نفسه شارك في ترتيبات ترسيم بحرية أثارت جدلاً واسعاً حول التفريط في الحقوق المصرية بشرق المتوسط.

 

ومن هنا يرى الغيطاني أن ما يحدث ليس أخطاء متفرقة، بل هندسة سياسية واقتصادية تدفع مصر تدريجياً نحو فقدان استقلالها الحقيقي.

 

السيسي لا يدير أزمة.. بل يصنع عقلية الهزيمة

 

يعتبر سعيد الغيطاني أن أخطر ما فعله السيسي بالمصريين ليس رفع الأسعار وحده، ولا توسيع الديون فقط، بل تدمير فكرة القدرة نفسها.

 

فالسيسي، في تقديره، يتحدث مع الشعب باعتباره شعباً عاجزاً بطبيعته: عاجزاً عن إنتاج غذائه، عاجزاً عن إدارة موارده، عاجزاً عن حماية مياهه، وعاجزاً حتى عن الحلم بالاكتفاء.

 

وتكاد خطاباته تقوم على فكرة واحدة: “لا يوجد ما يكفي للجميع”. لا مياه تكفي، لا أرض تكفي، لا موارد تكفي، ولا أمل في الاكتفاء.

 

وهذه ليست، في رأي الغيطاني، لغة قائد دولة، بل لغة سلطة تريد شعباً مكسور الإرادة، يقبل أي مستوى من الفقر والإذلال.

 

وهنا يطرح الغيطاني سؤالاً منطقياً: إذا كانت مصر عاجزة إلى هذا الحد كما يدّعي السيسي، فلماذا أُهدرت مئات المليارات على العاصمة الإدارية، والقصور الرئاسية، والكباري العملاقة، والمدن الفاخرة، ومشاريع الاستعراض الإعلامي؟

 

ولماذا لم تُوجَّه هذه الأموال إلى تحلية المياه، وتحديث الزراعة، ودعم الفلاح، والبحث العلمي، والتصنيع الغذائي، وحماية الأمن المائي؟

 

الإجابة التي يراها الغيطاني واضحة، وإن كان النظام يخشاها: لأن بناء اقتصاد إنتاجي مستقل لم يكن أولوية أصلاً.

 

فالأولوية، بحسب طرحه، كانت إنشاء دولة مركزية ضخمة يتحكم فيها الجيش والأجهزة الأمنية، حتى لو أدى ذلك إلى سحق الطبقة الوسطى، وتحويل المصريين إلى شعب يعيش على القروض والمعونات والاستيراد.

 

سد النهضة.. السيسي الذي سلّم النيل

 

يرى سعيد الغيطاني أن التاريخ لن يسجل أن سد النهضة بُني فقط بإرادة إثيوبيا، بل سيسجل أيضاً أن السيسي منح المشروع شرعية سياسية وتاريخية بتوقيعه اتفاق إعلان المبادئ عام 2015.

 

فالاتفاق، في تقديره، لم يكن مجرد توقيع بروتوكولي، بل تحول إلى نقطة فاصلة انتقلت فيها إثيوبيا من مشروع متنازع عليه إلى مشروع معترف به إقليمياً.

 

بعد ذلك فعلت أديس أبابا ما تريد: استمرت في البناء، وملأت السد، وفرضت الأمر الواقع، ثم بدأت تتحدث عن سدود جديدة على النيل.

 

وفي المقابل، لم تحصل مصر على ضمانات حقيقية تحفظ أمنها المائي.

 

والأكثر إثارة للغضب، كما يرى الغيطاني، أن السيسي نفسه عاد بعد سنوات ليحدث المصريين عن “الفقر المائي”، وكأنه يتحدث عن كارثة سماوية لا علاقة له بها.

 

ويطرح الغيطاني هنا سؤالين قاسيين: كيف يمكن لرئيس يقول إن المياه لا تكفي الشعب، أن يوقع أخطر اتفاق متعلق بالنيل منذ قرن كامل؟ وكيف يمكن لنظام يزعم حماية الأمن القومي أن يتعامل مع النيل بهذه الخفة؟

 

والحقيقة التي يحاول الإعلام الرسمي دفنها، في تقديره، أن السيسي لم يفشل فقط في ملف سد النهضة، بل ساهم عملياً في نقل مصر من موقع الدولة المسيطرة تاريخياً على ملف النيل إلى دولة تلهث خلف التفاوض، بعد أن فقدت أوراق الضغط الأساسية.

 

تجويع المصريين لصالح اقتصاد الاستيراد

 

يذهب سعيد الغيطاني إلى أن السيسي لا يريد اقتصاداً منتجاً، لأن الاقتصاد المنتج يخلق مجتمعاً مستقلاً يصعب التحكم فيه.

 

لذلك اتجه النظام، بحسب رؤيته، إلى نموذج مختلف: اقتصاد يعتمد على الاستيراد، والقروض، وبيع الأصول، والمشاريع الريعية.

 

فمصر اليوم تستورد القمح بمليارات الدولارات سنوياً، رغم أنها تمتلك واحدة من أعظم البيئات الزراعية في العالم.

 

وفي الوقت الذي يسمع فيه المصري خطاب “لا توجد مياه”، يرى أراضي تُباع أو تُؤجَّر لمستثمرين أجانب، وشركات خليجية تزرع في مصر للتصدير، بينما المواطن نفسه غير قادر على شراء الطعام.

 

والمفارقة الصادمة، كما يعرضها الغيطاني، أن الإمارات، التي لا تملك نهراً بحجم النيل، أصبحت تستثمر في الزراعة داخل مصر وتستفيد من الأرض والمياه المصريتين، بينما يُطلب من المصري أن يقتنع بأن بلده “فقير ولا يستطيع”.

 

وهذا، في رأيه، ليس عجزاً طبيعياً، بل سياسات متعمدة أعادت ترتيب الاقتصاد، بحيث يصبح المصري مستهلكاً دائماً، بينما تتحول بلاده إلى منصة استثمار مفتوحة للآخرين.

 

من نهب الغاز إلى شراء الغاز المسروق

 

يصف سعيد الغيطاني واحدة من أكثر المفارقات عبثية في عهد السيسي، وهي أن مصر التي كانت تملك احتياطات غاز ضخمة أصبحت تستورد الغاز من إسرائيل.

 

ويرى أن النظام حاول تسويق ذلك باعتباره “تعاوناً إقليمياً”، لكن الحقيقة السياسية مختلفة تماماً.

 

فالسيسي، بحسب هذه القراءة، وقع اتفاقيات ترسيم بحرية مثيرة للجدل، وفتح الباب لتحالفات غازية مع إسرائيل وقبرص واليونان، ثم انتهى الأمر بمصر إلى شراء الغاز من الكيان الذي يحتل أرضاً عربية ويستفيد من ثروات شرق المتوسط.

 

والأسوأ أن المواطن المصري هو من يدفع الثمن، عبر ارتفاع الأسعار، وزيادة فواتير الكهرباء، والانهيار المستمر لقيمة الجنيه.

 

ومن هنا يأتي سؤال الغيطاني الاستنكاري: أي منطق هذا؟ دولة تملك البحر والنيل والشمس والغاز، ثم تعيش على شراء الطاقة والغذاء من الخارج!

 

بيع مصر قطعة قطعة

 

يرى سعيد الغيطاني أنه في عهد السيسي لم تعد الدولة تبني أصولاً وطنية بقدر ما أصبحت تبيع ما تملكه.

 

فالموانئ، والأراضي، والشركات، والكهرباء، والبنوك، والعقارات، وكل شيء تقريباً، أصبح معروضاً للبيع.

 

والكارثة، في تقديره، أن هذه السياسة لا تُقدَّم باعتبارها إجراءً اضطرارياً مؤقتاً، بل كأنها “إنجاز اقتصادي”.

 

فالنظام اقترض مئات المليارات، ثم بدأ يسدد الفواتير عبر بيع ممتلكات الدولة نفسها.

 

وهكذا تتحول مصر تدريجياً، كما يرى الغيطاني، من دولة تملك اقتصاداً، إلى دولة تؤجر اقتصادها، ثم إلى دولة مرهونة بالكامل للدائنين والمستثمرين الأجانب.

 

لماذا يحتاج السيسي إلى شعب فقير؟

 

يعتبر سعيد الغيطاني أن الفقر ليس نتيجة جانبية للنظام الحالي، بل أداة حكم.

 

فالشعب المنشغل بالأكل، والإيجار، والدواء، وفاتورة الكهرباء، لن يملك وقتاً لمحاسبة السلطة.

 

ولهذا تبدو كل السياسات الاقتصادية، في قراءته، وكأنها تدفع عمداً نحو إنهاك الطبقة الوسطى، وتحطيم القدرة الشرائية، وإغراق الناس في الديون، وتحويل المواطن إلى كائن يبحث فقط عن النجاة اليومية.

 

فالسيسي، وفق طرح الغيطاني، لا يخاف من الفقر، بل يحتاج الفقر، لأن الشعوب القوية اقتصادياً تطالب بحقوقها، بينما الشعوب المنهكة تُدار بالخوف والاحتياج.

 

مصر بين نقص الموارد وسلطة اختارت الإضعاف

 

يخلص سعيد الغيطاني إلى أن ما يحدث في مصر ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل مشروع سياسي كامل يعيد تشكيل الدولة والمجتمع.

 

فالسيسي، في تقديره، لم يرث مصر قوية ثم عجز عن إنقاذها فقط، بل اتخذ سلسلة من القرارات التي دفعت البلاد نحو فقدان الأمن المائي، وتوسيع التبعية الغذائية، وربط الطاقة بإسرائيل، وبيع الأصول الوطنية، وإقناع المصريين بأن الفقر قدر لا مفر منه.

 

وأخطر ما يفعله النظام، كما يرى الغيطاني، ليس تجويع الناس فقط، بل قتل فكرة المستقبل داخلهم.

 

فقد تحولت مصر من دولة كانت تحلم بالتصنيع والريادة والاستقلال، إلى دولة يُطلب من شعبها أن يقتنع بأن أقصى طموحه هو البقاء على قيد الحياة.

 

ويبقى السؤال الذي يرى الغيطاني أن الإعلام الرسمي يهرب منه دائماً: هل فشلت مصر فعلاً بسبب نقص الموارد؟ أم أن هناك سلطة اختارت عمداً أن تجعل مصر دولة ضعيفة تابعة، يسهل التحكم فيها وبيعها قطعة قطعة؟