كشفت حملات جهاز حماية المستهلك في مصر بين مارس وأبريل 2026 عن ضبط 128 طنًا من المنتجات الغذائية مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية و74,645 وحدة من المعلبات والمشروبات المخالفة.

 

وتضع هذه الأرقام حكومة السيسي أمام مسؤولية مباشرة، لأن الغش الغذائي في الشاي والنسكافيه والمشروبات لا يظهر فجأة، بل يتوسع داخل سوق ترفع الأسعار وتضعف الرقابة وتترك المواطن يكتشف الخطر بجسده.

 

مضبوطات الشاي والنسكافيه تكشف مصانع الظل

 

بدأت الوقائع البارزة مع ضبط مصانع غير مرخصة تقلد علامات تجارية شهيرة في مشروبات يومية، بينها الشاي والنسكافيه والقهوة، وهي منتجات تدخل البيوت والمقاهي والمدارس والعمال يوميا بلا فحص من المستهلك.

 

وبحسب وقائع منشورة، ضبطت الجهات الرقابية في يناير 2023 مصنعا يقلد منتجات كبرى، بينها نسكافيه وشاي العروسة وليبتون وبيكنج بودر وجيلي، بإجمالي 5 ملايين عبوة و3 أطنان خامات.

 

ثم تكرر المشهد في يوليو 2024 عندما أعلن جهاز حماية المستهلك ضبط مصنع غير مرخص يعيد تعبئة الشاي من مواد مجهولة المصدر داخل عبوات تحمل أسماء علامات تجارية متداولة.

 

كما ضبطت حملة تموينية في طما بسوهاج خلال يوليو 2025 نحو 6 أطنان شاي مغشوش ومجهول المصدر داخل 500 كرتونة، قادمة من القاهرة لبيعها في المحال والمقاهي.

 

وتشير هذه الوقائع المتتابعة إلى أن الغش لم يعد حالة فردية، لأن المنتج المقلد ينتقل بين محافظات ومخازن ومنافذ بيع، بينما تظهر الرقابة غالبا بعد وصول الشكاوى أو البلاغات.

 

في هذا المحور، تخدم شهادة حسن فوزي رئيس شعبة البن تفسير حجم السوق، إذ قال إن مصر تستورد نحو 80 ألف طن بن سنويا وأن الغش لا يتجاوز 5%.

 

غير أن هذه النسبة المحدودة ظاهريا تعني خطرا فعليا عندما تطبق على سوق واسع الاستهلاك، لأن أي نسبة صغيرة داخل سلعة يومية تنتج ملايين الأكواب التي تصل إلى الفقراء قبل غيرهم.

 

المشروبات منتهية الصلاحية تسقط من رقابة موسمية

 

في السياق نفسه، أظهرت نتائج جهاز حماية المستهلك بين مارس و28 أبريل 2026 تنفيذ 1,358 حملة رقابية شملت المرور على 14,743 منشأة تجارية وأسفرت عن 3,475 مخالفة متنوعة.

 

وخلال الفترة نفسها، أعلن الجهاز ضبط 128 طنًا من المنتجات الغذائية مجهولة المصدر أو غير الصالحة، إضافة إلى 74,645 وحدة من المعلبات والمشروبات منتهية الصلاحية داخل الأسواق.

 

وقبل ذلك، أشارت بيانات منشورة عن الربع الأول من 2026 إلى ضبط 96.8 ألف وحدة من المعلبات والمشروبات ضمن مضبوطات غذائية أوسع، ما يكشف اتساع نطاق الخلل.

 

وبالتالي، لا تقف الأزمة عند الشاي أو القهوة سريعة التحضير، لأن المشروبات المعبأة والعصائر والمياه مجهولة المصدر تتحول إلى قناة يومية للغش في الحر والمدارس والورش والمواصلات.

 

كما ضبطت حملة تموينية في قها بالقليوبية خلال مايو 2026 مصنعا غير مرخص يعبئ المياه في ظروف غير صحية، مع التحفظ على 1600 زجاجة و150 زجاجة فارغة.

 

وتدعم الدكتورة شيرين زكي، رئيس لجنة سلامة الغذاء السابقة بنقابة الأطباء البيطريين، هذا المحور حين تحذر من شراء الغذاء مجهول المصدر وتربط الخطر بغياب الاشتراطات الصحية لا بالمظهر وحده.

 

لذلك تصبح زجاجة الماء أو كيس العصير أو عبوة الشاي الرخيصة اختبارا يوميا لفشل الدولة، لأن المواطن لا يملك معملا داخل البيت ولا يستطيع تمييز الخطر من الملصق وحده.

 

القانون موجود والردع لا يسبق الضرر

 

من الناحية القانونية، يقرر قانون قمع الغش والتدليس عقوبات بالحبس والغرامة على تداول الأغذية المغشوشة أو الفاسدة، وقد تصل العقوبة إلى 5 سنوات في بعض الحالات الضارة بالصحة.

 

لكن تكرار ضبط مصانع تحت السلم يثبت أن النص القانوني لا يردع وحده، لأن الغشاش يراهن على ضعف التفتيش واتساع السوق وقدرته على تغيير المكان والاسم والعبوة بسرعة.

 

إلى جانب ذلك، يفرض قانون حماية المستهلك غرامات كبيرة على مخالفات تضر بالمستهلك، لكن فعالية العقوبة تضعف عندما تصل المنتجات المغشوشة إلى الناس قبل الضبط والتحليل وإعلان التحذير.

 

وتظهر المشكلة أيضا في أن البيانات الرسمية تنشر أرقام حملات ومضبوطات، لكنها لا تقدم خريطة واضحة بأسماء العلامات المقلدة ومناطق التوزيع ومسارات دخول العبوات إلى المحال والمقاهي.

 

ويربط الدكتور مجدي نزيه، خبير التغذية، سلامة الغذاء بسلوك الشراء والوعي بمصدر المنتج، إذ يحذر في مداخلاته الغذائية من الاعتماد على منتجات مجهولة أو عادات استهلاك غير آمنة.

 

غير أن تحميل المستهلك مسؤولية الفحص وحده يبرئ الحكومة من واجبها، لأن الفقير يبحث عن الأرخص تحت ضغط الأسعار، ولا يستطيع دفع ثمن العبوة الأصلية كل مرة.

 

لهذا تتحول الأسعار إلى مدخل للغش، فكلما ارتفعت تكلفة الشاي والقهوة والمشروبات، زادت جاذبية العبوات المقلدة في المحال الصغيرة والمقاهي الشعبية ومواقف النقل وأطراف المدن.

 

وبناء على ذلك، يحتاج السوق إلى رقابة استباقية على سلاسل التعبئة والمطابع والمخازن، لا مجرد حملات بعد البلاغ، لأن عبوة مقلدة واحدة قد تفتح بابا لآلاف العبوات.

 

أخيرا تكشف أرقام الشاي والنسكافيه والمشروبات أن حكومة السيسي تترك المواطن بين سعر مرتفع ومنتج مجهول، ثم تعلن الضبط كإنجاز بعدما تكون العبوات قد تحركت داخل السوق.

 

وتتحمل الحكومة مسؤولية الغش الغذائي لأنها لم تبن رقابة يومية معلنة تربط المصنع بالمخزن والمنفذ، ولم تنشر إنذارات سريعة للمستهلكين، بينما تحول الغذاء اليومي إلى مخاطرة في كوب شاي أو زجاجة مشروب.