شيّعت جماهير يمنية ومسؤولون في العاصمة السعودية الرياض، الجمعة، جثمان الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، في مراسم رسمية وشعبية انطلقت من جامع الإمام تركي بن عبد الله وصولا إلى مقبرة العود حيث ووري الثرى، وسط حضور سياسي واسع عكس ثقل المرحلة التي ارتبط بها اسمه منذ توليه الحكم وحتى مغادرته السلطة عام 2022، لتغلق وفاته ملفا سياسيا امتد لأكثر من عقد من التحولات والانقسامات.
وفي سياق سياسي وإنساني شديد التعقيد، جاءت مراسم التشييع لتعيد فتح ملف مرحلة انتقالية طويلة عاشتها اليمن بين 2011 و2022، وهي مرحلة ارتبطت بصعود هادي إلى السلطة عبر تسوية سياسية، ثم دخول البلاد في حرب واسعة بعد انهيار التوازنات الداخلية وسيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء، ما جعل اسمه محور جدل بين كونه رئيسا توافقيا حاول إدارة أزمة دولة، وبين كونه واجه انهيارا سياسيا وأمنيا غير مسبوق.
النشأة وبدايات التكوين العسكري في جنوب اليمن
وُلد عبدربه منصور هادي في محافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية انعكست على مساره المبكر داخل المؤسسة العسكرية في جنوب اليمن قبل الوحدة، حيث التحق بالسلك العسكري في سن مبكرة، وتدرج في الرتب داخل جيش الدولة الجنوبية، ما منحه خبرة ميدانية في العمل العسكري والإداري خلال مرحلة اتسمت بالتقلبات السياسية الإقليمية آنذاك.
وخلال سنوات خدمته الأولى، اكتسب هادي موقعا تدريجيا داخل المنظومة العسكرية في الجنوب، حيث شارك في مهام تنظيمية وإدارية عززت حضوره داخل المؤسسة الدفاعية، قبل أن يفتح له مسار التحولات السياسية في البلاد بعد الوحدة اليمنية عام 1990 أفقا جديدا للانتقال إلى موقع سياسي على مستوى الدولة الموحدة.
صعود سياسي بعد الوحدة وتثبيت موقعه في السلطة
ومع إعلان الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه عام 1990، انتقل هادي إلى موقع سياسي أكثر تأثيرا داخل الدولة الجديدة، حيث شغل لاحقا منصب وزير الدفاع، قبل أن يتم تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية علي عبد الله صالح عام 1994، وهو المنصب الذي ظل يشغله لسنوات طويلة، ما جعله أحد أبرز ركائز النظام السياسي في تلك المرحلة.
وخلال تلك الفترة، لعب هادي دورا محوريا في إدارة التوازنات الداخلية داخل الدولة، خصوصا في ظل الصراعات السياسية المتكررة والتحديات الأمنية التي واجهت اليمن بعد الوحدة، إذ اعتمد عليه النظام في ملفات حساسة تتعلق بالجيش والأمن، ما جعله شخصية تجمع بين الطابع العسكري والدور السياسي التنفيذي في آن واحد.
مرحلة المبادرة الخليجية وبداية الانتقال السياسي
وبعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في فبراير 2011 التي طالبت بإسقاط نظام علي عبد الله صالح، دخلت اليمن مرحلة سياسية جديدة انتهت بتوقيع المبادرة الخليجية التي نصت على نقل السلطة بشكل سلمي ومنظم، وفي هذا السياق جرى اختيار هادي كمرشح توافقي لقيادة المرحلة الانتقالية.
وعلى إثر ذلك، انتُخب هادي رئيسا للجمهورية في 2012 في انتخابات توافقية، ليقود مرحلة انتقالية كان الهدف المعلن منها إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة دستور جديد، غير أن هذه المرحلة واجهت منذ بدايتها تحديات عميقة مرتبطة بضعف البنية المؤسسية وتعدد مراكز القوى داخل الدولة اليمنية.
تفكك الدولة وسيطرة الحوثيين وتحول الصراع
ومع مرور الوقت، تصاعدت الأزمات السياسية والأمنية في اليمن، لتبلغ ذروتها في 2014 عندما سيطرت جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وهو التطور الذي شكل نقطة تحول حادة في مسار الدولة، وأدى إلى انهيار فعلي للتسوية السياسية القائمة.
وفي ظل هذا الانهيار، غادر هادي العاصمة واتخذ من الرياض مقرا لإدارة شؤون الدولة، في وقت بدأت فيه البلاد تدخل مرحلة حرب ممتدة، تحولت من صراع سياسي داخلي إلى نزاع إقليمي معقد، انعكس بشكل مباشر على الوضع الإنساني والاقتصادي في اليمن، الذي شهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
إدارة من المنفى ونقل السلطة إلى مجلس القيادة
وخلال سنوات إقامته في الرياض، واصل هادي ممارسة دوره كرئيس معترف به دوليا، بدعم من تحالفات إقليمية ودولية، إلا أن سلطته الفعلية كانت تتقلص تدريجيا مع تعقد المشهد العسكري والسياسي داخل اليمن، وتعدد الفاعلين على الأرض.
وفي أبريل 2022، أعلن هادي بشكل رسمي نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة اعتُبرت إعادة هيكلة للسلطة الشرعية، حيث فوض المجلس بكامل صلاحياته السياسية والعسكرية والأمنية، لينهي بذلك مرحلة رئاسته المباشرة التي استمرت نحو عقد كامل.
إرث سياسي بين الانتقال والحرب والانقسام
وتشير مسيرة هادي إلى أنه تولى الحكم في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ اليمن الحديث، حيث ارتبط اسمه بمرحلة انتقالية جاءت بعد احتجاجات 2011، ثم بمرحلة انهيار الدولة ودخول البلاد في حرب شاملة منذ 2014، ما جعل إرثه السياسي محل تقييم متباين بين أطراف الداخل والخارج.
وفي حين يرى مؤيدوه أنه قاد الدولة في ظروف استثنائية وحافظ على شرعيتها الدولية في أصعب مراحلها، ينتقده خصومه باعتبار أن فترة حكمه شهدت تفكك مؤسسات الدولة وفشل إدارة التوازنات السياسية، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد اليمني بدل احتوائه.
المرض والوفاة وإغلاق فصل سياسي طويل
وخلال السنوات الأخيرة، تراجعت صحة هادي بشكل ملحوظ نتيجة معاناة صحية مزمنة، ما أدى إلى تقليص حضوره السياسي قبل إعلان نقل صلاحياته، ليستقر لاحقا في الرياض حتى وفاته التي جاءت بعد تدهور حالته الصحية وفق تقارير طبية وإعلامية.
ومع تشييعه في الرياض بحضور رسمي يمني وسعودي واسع، يُنظر إلى رحيله باعتباره نهاية فصل سياسي طويل ارتبط بمرحلة انتقالية معقدة في تاريخ اليمن، بدأت من لحظة التوافق السياسي بعد 2011 وانتهت بإعادة تشكيل السلطة في 2022، دون أن تنتهي تداعيات الحرب التي ما تزال مستمرة.

