شهدت مناطق في شمال وشمال شرق سوريا، صباح الأحد، انطلاق عملية انتخاب أعضاء مجلس الشعب السوري في عدد من الدوائر الانتخابية بمحافظتي الحسكة وريف حلب، وذلك بعد أشهر من التأجيل بسبب الأوضاع الأمنية والتوترات الميدانية التي حالت دون إجراء الاقتراع في موعده السابق، في خطوة تُعد استكمالًا لمسار تشكيل المجلس التشريعي خلال المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد عقب سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024.
وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها أمام الناخبين منذ الساعة الثامنة صباحًا بالتوقيت المحلي، في دائرتي الحسكة والقامشلي بمحافظة الحسكة، إضافة إلى دائرة عين العرب “كوباني” ذات الغالبية الكردية في ريف حلب الشمالي، لاختيار تسعة أعضاء جدد في مجلس الشعب، بينما حُسم مقعدا دائرة المالكية بالتزكية بعد ترشح شخصين فقط للمقعدين المخصصين للدائرة.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، استمرت عملية التصويت حتى الساعة الثانية عشرة ظهرًا، على أن تُغلق الصناديق بعدها مباشرة مهما كانت نسبة المشاركة، لتبدأ عقب ذلك عمليات فرز الأصوات وإعلان النتائج الأولية فور انتهاء عملية العدّ.
استكمال المقاعد الشاغرة بعد أشهر من التأجيل
وتأتي هذه الانتخابات بعد قرار سابق للجنة العليا للانتخابات بتأجيل الاقتراع في محافظات الحسكة والرقة والسويداء خلال أغسطس 2025، بسبب ما وصفته اللجنة حينها بـ”التحديات الأمنية”، في ظل حالة عدم الاستقرار التي شهدتها تلك المناطق عقب التغيرات السياسية والعسكرية التي أعقبت سقوط النظام السابق.
وكانت سوريا قد شهدت في أكتوبر 2025 أول انتخابات تشريعية بعد انتهاء حكم الهارب بشار الأسد الذي استمر 24 عامًا، إلا أن العملية الانتخابية لم تشمل آنذاك جميع المحافظات، ما أدى إلى بقاء عدد من المقاعد البرلمانية شاغرًا حتى الآن.
وفي مارس الماضي، أُجريت انتخابات محافظة الرقة، وأسفرت عن فوز أربعة مرشحين وسط إعلان رسمي عن نسبة مشاركة تجاوزت 90 بالمئة، بينما بقيت الحسكة والسويداء خارج العملية الانتخابية إلى حين توفير الظروف المناسبة.
ومع إجراء انتخابات الأحد، تكون السلطات السورية قد اقتربت من استكمال المقاعد المنتخبة الخاصة بمناطق شمال وشمال شرق البلاد، فيما لا تزال ثلاثة مقاعد مخصصة لمحافظة السويداء شاغرة بسبب استمرار التوترات الأمنية هناك بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو الماضي.
اعتراضات كردية حادة على آلية التمثيل
ورغم انطلاق العملية الانتخابية، أثارت الانتخابات موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط السياسية الكردية، حيث أصدرت عدة أحزاب وحركات كردية بيانًا مشتركًا اعتبرت فيه أن آلية تشكيل مجلس الشعب الحالية “لا تعبّر عن الإرادة الكردية الحرة”، ووصفت العملية بأنها أقرب إلى “التعيين السياسي” منها إلى انتخابات حقيقية.
وانتقد البيان ما اعتبره ضعفًا واضحًا في حجم التمثيل الكردي داخل المجلس، مشيرًا إلى أن عدد المقاعد المخصصة للكرد لا يتجاوز أربعة مقاعد فقط من أصل 210 أعضاء، رغم أن الكرد – وفق تقديرات تلك الأحزاب – يشكلون ما لا يقل عن 20% من سكان سوريا.
وطالبت القوى الكردية برفع عدد المقاعد المخصصة لها إلى ما لا يقل عن أربعين مقعدًا، معتبرة أن التوزيع الحالي لا يعكس الثقل السكاني والسياسي للكرد في البلاد، ولا يضمن مشاركة عادلة في مؤسسات المرحلة الانتقالية.
وتعكس هذه الانتقادات استمرار حالة التوتر السياسي بين الإدارة الانتقالية السورية والقوى الكردية، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية الكردية التي تشهد مطالبات متزايدة بإعادة النظر في شكل التمثيل السياسي وآليات تقاسم السلطة خلال المرحلة المقبلة.
مجلس انتقالي بصلاحيات واسعة
ويُعد مجلس الشعب الحالي جزءًا من ترتيبات المرحلة الانتقالية التي أُعلنت بعد إسقاط النظام السابق، حيث تمتد ولاية المجلس لمدة 30 شهرًا قابلة للتجديد، ضمن فترة انتقالية تستمر أربع سنوات مع إمكانية تمديدها لعام إضافي.
ويتولى المجلس مجموعة من المهام التشريعية والسياسية المهمة، أبرزها اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء التشريعات السابقة، إلى جانب المصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وإصدار قوانين العفو العام.
وكانت اللجنة العليا للانتخابات قد أعلنت في أكتوبر الماضي أسماء 119 عضوًا من أصل 140 عضوًا يُفترض انتخابهم عبر هيئات مناطقية وفق آلية غير مباشرة نصّ عليها الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، فيما بقيت مقاعد الحسكة والرقة والسويداء معلقة بسبب الظروف الأمنية.
دور الرئيس أحمد الشرع في تشكيل المجلس
وينص النظام الانتقالي الحالي على أن يتألف مجلس الشعب من 210 أعضاء، يتم اختيار ثلثيهم عبر هيئات ناخبة محلية شكّلتها لجنة عليا عيّن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أعضاءها، بينما يتولى الرئيس بنفسه تعيين الثلث المتبقي من أعضاء المجلس.
ورغم استكمال جزء كبير من العملية الانتخابية، لا يزال المجلس غير مكتمل التشكيل حتى الآن، بسبب عدم إعلان أسماء الأعضاء السبعين الذين يعود للرئيس تعيينهم بشكل مباشر، وهو ما يثير تساؤلات سياسية حول طبيعة التوازنات المقبلة داخل المؤسسة التشريعية الجديدة.

