أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في مصر خلال مايو 2026 توحيد محاسبة العدادات الكودية بسعر 2.74 جنيه لكل كيلووات ساعة، بينما تصاعدت شكاوى مواطنين من تركيب هذه العدادات داخل وحدات مرخصة أو تم التصالح عليها، فوجدوا أنفسهم خارج نظام الشرائح وبلا عداد يحمل أسماءهم.

 

وتكشف الأزمة أن الحكومة حولت أداة تنظيم مؤقتة إلى عبء مالي وقانوني على أسر تقول إنها تملك رخص بناء أو قرارات تصالح، لأن العداد الكودي لا يثبت الملكية ولا يمنح حقا قانونيا للوحدة، ثم تحاسب الدولة صاحبه بسعر أعلى من الشرائح المنزلية المعتادة.

 

سعر موحد يلغي الشرائح ويضاعف الفاتورة

 

بدأت الأزمة عندما طبقت وزارة الكهرباء تسعيرة موحدة على العدادات الكودية، بحيث يدفع المستخدم 2.74 جنيه لكل كيلووات ساعة من أول الاستهلاك إلى آخره، بينما تبدأ شرائح الكهرباء المنزلية العادية من 68 قرشا للشريحة الأولى وتتصاعد تدريجيا بحسب حجم الاستهلاك الشهري.

 

وبذلك يدفع صاحب العداد الكودي سعرا أعلى من المواطن الذي يستهلك الكهرباء عبر عداد اسمي قانوني، حتى لو كانت وحدته داخل عقار مرخص أو أنهى إجراءات التصالح، وهو ما يضع الأسر أمام فاتورة لا تراعي الدخل ولا حجم الاستهلاك ولا الوضع القانوني الحقيقي للوحدة.

 

كما تزداد حدة الأزمة لأن العداد الكودي لا يحمل اسم المشترك، بل يحمل رقما كوديا فقط، ولا يعتبر سند ملكية أو إثبات سكن، بما يخلق تناقضا واضحا بين تحصيل الدولة أموالا بسعر التكلفة من المواطن وبين حرمانه من الاعتراف القانوني الكامل بالعداد.

 

وفي هذا المحور يكتسب رأي الدكتور حافظ سلماوي رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق أهمية مباشرة، لأن موقعه السابق يضعه في قلب سؤال العدالة التنظيمية، فالمشكلة لا تتعلق بتحصيل الكهرباء فقط، بل بتمييز مالي بين مواطنين داخل خدمة عامة واحدة.

 

أما المهندس مدحت يوسف خبير الطاقة ونائب رئيس هيئة البترول سابقا فيدعم زاوية تكلفة الطاقة، لأن الحكومة تبرر التسعير بزيادة تكلفة الإنتاج، لكن تحميل المواطن سعر التكلفة كاملا في وحدات مرخصة أو مقننة يحول السياسة السعرية من تنظيم إلى عقوبة مالية واسعة.

 

وحدات مرخصة ومتصالح عليها تحت معاملة المخالف

 

تقول شكاوى المواطنين إن بعض شركات توزيع الكهرباء ركبت عدادات كودية داخل وحدات تقع في عقارات مرخصة أو وحدات أنهى أصحابها إجراءات التصالح وتقنين الأوضاع، وهو ما يجعل استمرار محاسبتهم بسعر المخالفين انتهاكا واضحا لفكرة التقنين التي دفعت الدولة المواطنين إليها.

 

وبعد ذلك يطالب المتضررون بتحويل العدادات الكودية إلى عدادات اسمية قانونية، لأنهم لا يرفضون دفع قيمة الاستهلاك، بل يرفضون وضعهم في خانة المخالفين بعد تقديم مستندات الترخيص أو التصالح، ثم حرمانهم من الشرائح التي تطبق على باقي المشتركين السكنيين.

 

غير أن قرار العدادات الكودية الصادر في 2024 نص على أن العداد المؤقت وسيلة فنية لقياس استهلاك التيار الموصل بوسائل غير قانونية، ولا يرتب حقوقا قانونية ولا يعد سندا للملكية أو الحيازة أو تقنين الأوضاع، وهو نص يتحول إلى أزمة عندما يطبق على وحدات مقننة.

 

لذلك تصبح المشكلة في التطبيق لا في المبدأ، لأن الدولة تستطيع استخدام العداد الكودي لمواجهة سرقة التيار، لكنها لا تستطيع مساواة صاحب وحدة مرخصة أو متصالح عليها بمن يستهلك الكهرباء خارج القانون، ثم تطلب من الطرفين دفع سعر واحد باسم التكلفة.

 

وفي هذا السياق يوضح الدكتور ماهر عزيز عضو مجلس الطاقة العالمي الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها، إذ سبق أن قال إن أغلب شرائح الكهرباء في مصر ظلت مدعومة، ما يجعل إخراج العدادات الكودية من الشرائح قرارا ماليا يضرب أصحاب الاستهلاك المنخفض أولا.

 

كما يخدم رأي الدكتور هاني النقراشي خبير الطاقة زاوية أوسع، لأن مصر أعلنت في سنوات سابقة تحقيق اكتفاء ذاتي وفائض في الكهرباء، وبالتالي لا تستطيع الحكومة استخدام لغة التكلفة وحدها لتبرير زيادة العبء على مواطنين يبحثون عن اعتراف قانوني بعداداتهم لا عن دعم استثنائي.

 

رقابة غائبة وتحويل العدادات إلى أداة جباية

 

ثم جاءت تقديرات منشورة عن تطبيق التسعيرة الموحدة على نحو 3.6 مليون عداد كودي، مع حديث مصدر بوزارة الكهرباء عن وفر مستهدف يقترب من 9 مليارات جنيه خلال 2026، لتكشف الأرقام أن الملف لم يعد مجرد تنظيم فني بل تحول إلى مصدر تحصيل واسع.

 

ومن هنا يظهر الخلل الحكومي بوضوح، لأن الدولة التي فتحت باب التصالح وتقنين أوضاع المباني كان يجب أن تضع مسارا تلقائيا لتحويل العدادات الكودية إلى عدادات اسمية فور اكتمال المستندات، بدلا من ترك المواطن يدور بين الشركة والحي ومراكز الخدمة دون نتيجة حاسمة.

 

في المقابل يوفر العداد الاسمي حماية واضحة للمشترك، لأنه يحمل اسمه ويخضع للشرائح المنزلية ويرتبط بعلاقة تعاقدية مباشرة، بينما يظل العداد الكودي علاقة مؤقتة وناقصة، ومع ذلك تحصل الدولة منه سعرا أعلى وتطالبه بدفع كامل تكلفة الاستهلاك بلا حماية قانونية مساوية.

 

وعند هذه النقطة تبدو خبرة الدكتور محمد اليماني المتحدث السابق باسم وزارة الكهرباء ضرورية لفهم الخلفية، لأن العداد الكودي بدأ كبديل للممارسة وسرقة التيار، لكنه تحول مع التسعيرة الموحدة إلى عبء على مواطنين لا يملكون سوى طلب تحويل العداد والانتظار.

 

كما يدعم الدكتور وليد جاب الله خبير الاقتصاد والمالية العامة زاوية العدالة الاجتماعية، لأن أي زيادة في الكهرباء تنتقل مباشرة إلى ميزانية الأسرة، وتضغط على الإنفاق الغذائي والتعليمي والصحي، خصوصا عندما يدفع المواطن سعرا أعلى بسبب توصيف إداري لا يعكس موقفه القانوني.

 

وتفرض هذه الوقائع على الحكومة مراجعة فورية لكل العدادات الكودية المركبة داخل عقارات مرخصة أو وحدات متصالحة، وإعلان جدول زمني واضح للتحويل إلى عدادات اسمية، ورد الفروق المالية أو تسويتها للمواطنين الذين ثبتت قانونية وحداتهم خلال الفترة السابقة.

 

وفي النهاية لا تستطيع وزارة الكهرباء أن تطلب من المواطنين التصالح وتقنين الأوضاع ثم تحاسبهم كأنهم مخالفون، ولا تستطيع الحكومة أن ترفع شعار حماية الدعم ثم تسلب أصحاب العدادات الكودية حقهم في الشرائح، لأن العدالة تبدأ من فاتورة لا تعاقب صاحب الحق بسبب خطأ إداري.