كشفت إفصاحات البورصة المصرية في نهاية الأسبوع الماضي بيع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة كامل حصته في شركة التعمير والاستشارات الهندسية البالغة 10.296% مقابل 229.482 مليون جنيه، بعد أسابيع من إعلان الشركة خسارة سنوية بلغت 140.75 مليون جنيه في 2025.

 

وتعيد الصفقة سؤال إدارة المال العام إلى واجهة البورصة، لأن جهازا تابعا للدولة خرج من شركة تحولت من ربح إلى خسارة بينما صعد مستثمر خاص بحصة أكبر، وبدت الحكومة كأنها تبيع بعد تدهور الأداء لا ضمن خطة معلنة تحمي السوق وصغار المساهمين.

 

خسارة 140.75 مليون جنيه تحاصر الصفقة

 

في البداية، لا يمكن قراءة بيع حصة مستقبل مصر بعيدا عن نتائج التعمير والاستشارات الهندسية، فقد سجلت الشركة في 2025 صافي خسارة بلغ 140.75 مليون جنيه، بعد أن حققت أرباحا بقيمة 52.2 مليون جنيه في 2024، مع الأخذ في الاعتبار حقوق الأقلية.

 

وبذلك، يصبح رقم الصفقة أقل أهمية من توقيتها، لأن البيع جاء بعد تحول مالي حاد في نتائج الشركة، ولم يصدر شرح كاف يوضح هل خرج الجهاز لتقليل خسائر محتملة، أم باع ضمن سياسة تخارج حكومية، أم استجاب لترتيبات ملكية داخل السوق.

 

كما زادت خطورة الصورة بسبب مفارقة الإيرادات والتكاليف، إذ ارتفعت إيرادات النشاط إلى 542.91 مليون جنيه في 2025 مقابل 215.16 مليون جنيه في 2024، لكن تكلفة النشاط قفزت إلى 581.62 مليون جنيه مقابل 131.54 مليون جنيه، فابتلعت الإيرادات وأنتجت الخسارة.

 

لذلك، لا تبدو الشركة أمام أزمة مبيعات فقط، بل أمام خلل واضح في تكلفة النشاط وهوامش التشغيل، لأن الإيراد تضاعف تقريبا بينما تحولت النتيجة النهائية إلى خسارة كبيرة، وهذا يفرض سؤالا على الإدارة والمساهمين عن جودة النمو وطريقة تسعير المشروعات.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الخبير الاقتصادي هاني توفيق قراءة الخسارة من زاوية أوسع، إذ يعتبر أن برنامج الطروحات الحكومية يقيس جدية الدولة في التخارج من النشاط الاقتصادي، ويرى أن حضور الدولة في السوق يجعلها عند النزاع خصما وحكما في الوقت نفسه.

 

وعليه، تصبح خسارة التعمير والاستشارات نقطة مركزية لا تفصيلا هامشيا، لأن الحكومة لا تستطيع أن تطلب ثقة المستثمرين بينما تتحرك ملكيات جهاتها داخل شركات مدرجة من دون خطة واضحة تربط الدخول والخروج بمؤشرات أداء معلنة ومصالح مساهمين محددة.

 

تخارج الدولة وصعود أزاد في التوقيت نفسه

 

بعد إعلان الصفقة، أوضحت الإفصاحات أن جهاز مستقبل مصر باع نحو 2.421 مليون سهم بمتوسط سعر 94.755 جنيه للسهم الواحد، وتولت تنفيذ العملية شركات الأهلي فاروس وبلتون والمجموعة المالية هيرميس، وهو ما يجعلها صفقة منظمة لا تداولا عابرا.

 

في المقابل، أعلنت التعمير والاستشارات صباح اليوم نفسه رفع شركة أزاد العقارية حصتها في رأسمال الشركة من 7.02% إلى 17.96%، عبر شراء 2.572 مليون سهم مقابل 243.2 مليون جنيه، بما جعل صعود أزاد يقابل عمليا خروج مستقبل مصر.

 

ومن هنا، لا يثير التخارج السؤال بسبب البيع وحده، بل بسبب انتقال مركز الملكية المؤثر في شركة خاسرة من جهة حكومية إلى مستثمر خاص، في لحظة يحتاج فيها السوق إلى معرفة خطط الإصلاح والتشغيل لا إلى الاكتفاء بأرقام التنفيذ ومتوسطات الأسعار.

 

كذلك، يعزز تراجع السهم إلى 89.23 جنيه بانخفاض 3.56% في ختام تعاملات الخميس حساسية السوق تجاه الصفقة، لأن المستثمر لا يقرأ تغير الملكية بمعزل عن الخسائر، بل يربطه مباشرة بقدرة الشركة على وقف نزيف التكلفة وتحسين الربحية.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الدكتور زياد بهاء الدين محور ملكية الدولة، لأنه انتقد محدودية تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة بعد أكثر من 3 سنوات، واعتبر أن الإصلاح يحتاج تحديدا واضحا وملزما لدور الدولة داخل السوق لا مجرد سرديات عامة.

 

وبناء على ذلك، لا تكفي عبارة التخارج لتبرير الصفقة، لأن التخارج المنظم يسبق بخريطة معلنة وجدول زمني وأسباب اقتصادية واضحة، بينما التخارج بعد خسارة كبيرة ومن دون شرح كاف يضع الحكومة في موضع المتهم بإدارة الأصول بمنطق رد الفعل.

 

بورصة تدفع ثمن غياب الشفافية

 

في خلفية الصفقة، تقف مشكلة الإفصاح لا كملاحظة فنية بل كأزمة ثقة، لأن المستثمرين يعرفون عدد الأسهم والسعر والمنفذين، لكنهم لا يعرفون لماذا قرر جهاز مستقبل مصر الخروج الآن، ولا كيف ستتعامل أزاد مع خسارة الشركة وقفزة تكلفة النشاط.

 

ومن جهة أخرى، لا تقدم الحكومة سردا مقنعا حول علاقتها بالشركات المدرجة، فهي تعلن تشجيع القطاع الخاص، لكنها تبقي أجهزة تابعة لها داخل السوق ثم تخرج فجأة من بعض الحصص، وهو سلوك يخلط بين إدارة الاستثمار وسياسة الدولة الاقتصادية.

 

ثم يأتي رأي الخبير الاقتصادي محمد فؤاد ليخدم محور الشفافية، إذ دعا إلى تنقيح وثيقة ملكية الدولة عبر جداول زمنية ملزمة بين 3 و5 سنوات، وتعزيز حوكمة الشركات بمجالس مستقلة وإفصاحات دورية وربط الاستثمار بالإنتاجية لا بالتصريحات.

 

وبهذا المعنى، تكشف صفقة التعمير والاستشارات عن خلل أكبر من خسارة شركة واحدة، لأن السوق يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت خسارة 140.75 مليون جنيه سبب الخروج، أم أن البيع جزء من سياسة أوسع لم تعلن تفاصيلها للمستثمرين.

 

كما تضع الصفقة إدارة الشركة نفسها أمام اختبار مباشر، لأن نمو الإيرادات لم يعد كافيا للدفاع عن الأداء بعد أن تجاوزت تكلفة النشاط مستوى الإيرادات، وعلى الإدارة أن تشرح للمساهمين كيف ستخفض التكلفة وتوقف التحول من الربح إلى الخسارة.

 

في النهاية، لا تختصر صفقة 229.482 مليون جنيه قصة التعمير والاستشارات الهندسية، فالقصة الحقيقية تبدأ من خسارة 140.75 مليون جنيه وقفزة تكلفة النشاط، ثم تمر بخروج جهاز حكومي وصعود مستثمر خاص، وتنتهي بسؤال حاد عن حكومة تبيع بعد الخسارة ولا تشرح قبلها.