غادر الرئيس الأميركي دونالد ترامب العاصمة الصينية بكين، الجمعة، دون تحقيق اختراقات كبرى في الملفات التجارية أو الحصول على تعهد صيني واضح بالضغط على إيران، رغم القمة المطولة التي جمعته بالرئيس الصيني شي جين بينغ وسط أجواء احتفالية ورسائل سياسية متبادلة عكست حجم التنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم.


وجاءت الزيارة في توقيت بالغ الحساسية مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتصاعد التوتر في مضيق هرمز وتايوان، بينما سعى ترامب إلى تحقيق إنجازات سريعة تعزز موقعه السياسي داخلياً قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في حين تعاملت بكين مع الزيارة باعتبارها فرصة لإعادة ضبط العلاقة مع واشنطن دون تقديم تنازلات تمس تحالفاتها الاستراتيجية أو مصالحها الدولية.


الصين تتمسك بدعم إيران وترفض الانخراط في الضغوط الأميركية


رأى السفير والدبلوماسي المصري السابق عبد الله الأشعل أن الصين تنظر إلى إيران باعتبارها شريكاً استراتيجياً أساسياً في مواجهة النفوذ الأميركي، ولذلك فهي تقدم لطهران وسائل الصمود السياسي والاقتصادي والعسكري دون أن تتورط بصورة مباشرة في الحرب مع الولايات المتحدة.


وأوضح الأشعل أن بكين تدرك أن واشنطن تعتبر الصعود الصيني التهديد الأكبر لمكانتها العالمية، لذلك فإن مصالح الصين الحقيقية ترتبط بتقليص النفوذ الأميركي في مناطق حساسة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، وليس بالدخول في تفاهمات استراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.


وأشار إلى أن الصين تمتلك أوراق ضغط إقليمية مهمة، أبرزها علاقتها مع كوريا الشمالية وباكستان، مذكراً بانحياز واشنطن للهند خلال أزماتها مع باكستان، مقابل دعم صيني واضح لإسلام آباد، وهو ما يعكس طبيعة الاستقطاب المتصاعد بين المعسكرين الأميركي والصيني.


وأضاف الأشعل أن ترامب كان يأمل خلال زيارته للصين في دفع بكين إلى ممارسة ضغوط على إيران للقبول بالشروط الأميركية المتعلقة بالحرب والتسوية، لكنه استبعد تماماً أن تتعاطف الصين مع واشنطن ضد طهران أو أن توافق على ممارسة ضغط فعلي يهدد المصالح الإيرانية.


وفي السياق نفسه أصدرت وزارة الخارجية الصينية بياناً قبل الاجتماع الأخير بين ترامب وشي أعربت فيه عن خيبة أملها بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مؤكدة أن الصراع “ما كان ينبغي أن يحدث أبداً” وأن استمراره يهدد الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة الدولية.


كما تحدث ترامب عن مناقشات مع شي بشأن إيران، وقال إن وجهات نظرهما “متشابهة جداً”، لكن الرئيس الصيني تجنب التعليق العلني على هذه التصريحات، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على رفض بكين الانجرار إلى الموقف الأميركي.


وأكدت الباحثة في معهد بروكنجز باتريشيا كيم أن اللافت في القمة هو غياب أي التزام صيني واضح باتخاذ خطوات عملية تتعلق بإيران، رغم الرغبة الأميركية في توظيف النفوذ الصيني للضغط على طهران.


ويرى الأشعل أن الصين قد تقبل بلعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة إذا تطلبت الظروف ذلك، لكنها لن تتحول إلى أداة ضغط أميركية، لأن استمرار استنزاف القوة الأميركية في الشرق الأوسط يخدم المصالح الاستراتيجية لبكين على المدى الطويل.


وأشار إلى أن الصين تدير علاقاتها الدولية وفق منطق المصالح المتبادلة وليس وفق شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تراجعت مصداقيتها الغربية بعد الحرب على غزة، وهو ما ساعد بكين على توسيع نفوذها خصوصاً داخل القارة الأفريقية.


قمة الفخامة تخفي خلافات التجارة والطاقة والمعادن النادرة


حفلت قمة ترامب وشي بمظاهر احتفالية واسعة شملت عروضاً عسكرية وجولات داخل مجمع تشونغنانهاي الإمبراطوري، لكن خلف هذه الصورة الدبلوماسية الهادئة برزت خلافات عميقة حول التجارة والطاقة والتكنولوجيا والمعادن النادرة.


وسعى ترامب إلى تحقيق مكاسب اقتصادية عاجلة من الزيارة، أبرزها إبرام صفقات تجارية ضخمة تعزز موقفه الانتخابي، خصوصاً في ما يتعلق بصادرات الطائرات والمنتجات الزراعية الأميركية إلى الصين.


وقال ترامب إن بكين وافقت على شراء 200 طائرة من شركة Boeing، في أول صفقة كبيرة للطائرات الأميركية منذ ما يقرب من عشر سنوات، إلا أن الرقم جاء أقل بكثير من توقعات الأسواق التي تحدثت عن إمكانية شراء نحو 500 طائرة.


وأدى الإعلان عن الصفقة المحدودة إلى تراجع أسهم بوينغ بأكثر من 4%، بينما انخفضت الأسهم الصينية أيضاً بعدما أدرك المستثمرون أن القمة لم تحقق اختراقات اقتصادية كبرى كما كان متوقعاً.


كما أعلن مسؤولون أميركيون أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات تتعلق ببيع منتجات زراعية وإنشاء آليات لإدارة التجارة مستقبلاً، مع توقعات بتحديد سلع بقيمة 30 مليار دولار، لكن التفاصيل العملية للاتفاقات بقيت غامضة.

 

وفي المقابل ركز شي جين بينغ على ما وصفه بإعادة ضبط طويلة الأمد للعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على الاستقرار ومنع التصعيد الاقتصادي، وهو ما كشف اختلاف الأولويات بين الطرفين.


ولم تحقق الزيارة أي تقدم واضح في ملف بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة “إتش200” التابعة لشركة NVIDIA إلى الصين، رغم مشاركة المدير التنفيذي للشركة جنسن هوانج في الزيارة بشكل مفاجئ.


كذلك غادر ترامب بكين دون حل رسمي لأزمة المعادن الأرضية النادرة، بعدما فرضت الصين قيوداً على تصدير هذه المعادن الحيوية رداً على الرسوم الجمركية الأميركية التي فرضتها إدارة ترامب في أبريل 2025.


وأثرت القيود الصينية بشكل مباشر على شركات تصنيع الرقائق والطيران الأميركية، خاصة أن الصين تسيطر على حصة ضخمة من سوق المعادن الأرضية النادرة عالمياً، ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية في الصراع الاقتصادي مع واشنطن.


وكان الطرفان قد توصلا في أكتوبر الماضي إلى هدنة تجارية هشة تقضي بخفض الرسوم الأميركية مقابل استمرار تدفق المعادن الصينية، لكن الممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير أكد أن مستقبل هذه الهدنة لا يزال غير محسوم.


وفي ملف الطاقة أبدى البيت الأبيض اهتماماً مشتركاً بإعادة فتح مضيق هرمز، في ظل التوترات الناتجة عن الحرب على إيران، كما أشار الجانب الأميركي إلى اهتمام صيني بشراء النفط الأميركي لتقليل الاعتماد على إمدادات الشرق الأوسط.


ويشير مراقبون إلى أن الصين تحاول تنويع مصادر الطاقة دون خسارة شراكاتها مع إيران والخليج، بينما تسعى واشنطن إلى استخدام ملف الطاقة لإعادة تشكيل التوازنات التجارية والسياسية مع بكين.


تايوان تعود إلى الواجهة وتحذيرات صينية مباشرة لواشنطن


برز ملف تايوان باعتباره أخطر القضايا السياسية والأمنية التي طغت على القمة، بعدما وجه شي جين بينغ تحذيراً مباشراً لترامب من أن أي سوء تعامل مع قضية الجزيرة قد يقود إلى صراع مفتوح.


ويعد هذا التحذير من أكثر التصريحات الصينية حدة خلال قمم البلدين في السنوات الأخيرة، خصوصاً أنه جاء وسط أجواء بدت ودية في الشكل لكنها تخفي تنافساً استراتيجياً متصاعداً.


وتعتبر بكين تايوان جزءاً من أراضيها وترفض استبعاد استخدام القوة لإعادة ضمها، بينما تلتزم الولايات المتحدة بموجب قوانينها بتزويد تايبيه بوسائل الدفاع عن نفسها، ما يجعل الجزيرة واحدة من أخطر بؤر التوتر العالمية.


وتقع تايوان على بعد نحو 80 كيلومتراً فقط من الساحل الصيني، وهو ما يمنح القضية حساسية أمنية وعسكرية استثنائية بالنسبة لبكين التي تعتبر أي تحرك أميركي داعم لاستقلال الجزيرة تجاوزاً للخطوط الحمراء.


ورغم التحذيرات الصينية التزم ترامب الصمت تقريباً حيال الملف خلال الزيارة، وركز على الإشادة بعلاقته الشخصية مع شي جين بينغ، في سلوك وصفته وسائل إعلام أميركية بأنه “تحفظ غير معتاد” من الرئيس الأميركي.


لكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكد لاحقاً أن سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان لم تتغير، في رسالة هدفت إلى طمأنة حلفاء واشنطن داخل آسيا.


كما وجه وزير خارجية تايوان لين شيا لونج الشكر للولايات المتحدة على دعمها المتكرر لتايبيه، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الجزيرة من تصاعد الضغوط الصينية.


وفي ملف آخر أثار ترامب خلال اجتماعاته مع شي قضية رجل الإعلام في هونغ كونغ جيمي لاي المحكوم عليه بالسجن 20 عاماً بموجب قانون الأمن القومي، بينما اعتبرت بكين القضية شأناً داخلياً لا يحق لواشنطن التدخل فيه.


ويرى عبد الله الأشعل أن الصين الحالية تختلف جذرياً عن الصين القديمة التي كانت توصف بالحليف الطبيعي للعرب، موضحاً أن بكين أصبحت تدير علاقاتها الدولية بمنطق القوة والمصالح لا بمنطق الأيديولوجيا أو التحالفات التقليدية.


وأشار إلى أن زيارة ترامب تذكر بزيارة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1971، التي شكلت آنذاك اختراقاً تاريخياً أعاد ترتيب العلاقات الدولية ومهد لصعود الصين الشعبية إلى موقع الدولة العظمى وعضوية مجلس الأمن بدلاً من تايوان.


لكن الأشعل خلص إلى أن زيارة ترامب الحالية لن تسفر عن نتائج حقيقية تتعلق بوقف الدعم الصيني لإيران أو فرض قيود استراتيجية على بكين، مؤكداً أن الصين باتت قوة عالمية مستقلة ترفض الخضوع للضغوط الأميركية وتواصل توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري على الساحة الدولية.