أعاد إعلان وزارة الإسكان عن الأسعار الجديدة لوحدات مبادرة “سكن لكل المصريين” الجدل مجددًا حول حقيقة ما إذا كانت مشروعات الإسكان الحكومية لا تزال تستهدف محدودي الدخل فعلًا، أم أنها تحولت إلى مشروعات استثمارية بعيدة عن قدرة الفئات الفقيرة والمتوسطة، في ظل موجة تضخم غير مسبوقة وانهيار القدرة الشرائية للمصريين.

 

وحددت الوزارة سقف أسعار الوحدات المطروحة ضمن المبادرة بنحو 1.25 مليون جنيه للوحدة السكنية، ترتفع إلى 1.35 مليون جنيه للوحدات المزودة بمصاعد، وهو ما اعتبره اقتصاديون ومتابعون أرقامًا لا تتناسب إطلاقًا مع طبيعة الفئة التي يُفترض أن المشروع مخصص لها.

 

ويرى مراقبون أن ما يحدث يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الحكومي الذي يروج لمشروعات الإسكان باعتبارها دعمًا للفقراء، وبين الواقع الاقتصادي الذي يجعل امتلاك شقة حلمًا شبه مستحيل لغالبية الشباب المصري.

 

أقساط تفوق قدرة المواطنين

 

الخبير الاقتصادي عبدالنبي عبدالمطلب أشار إلى التناقض الواضح بين أسعار الوحدات المطروحة ومتوسط الدخول في مصر، موضحًا أن الحد الأدنى للأجور يبلغ نحو 7 آلاف جنيه فقط، بينما تحتاج الوحدة السكنية إلى أقساط شهرية قد تتجاوز 6 آلاف جنيه إذا تم السداد على مدار 20 عامًا.

 

وأوضح أن المواطن حتى يستطيع تحمل هذه الأقساط يجب أن يتجاوز دخله الشهري 24 ألف جنيه تقريبًا، وهو رقم بعيد تمامًا عن دخول ملايين العاملين بالدولة والقطاع الخاص، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل الأجور بفعل التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.

 

ومع استمرار تراجع الجنيه أمام الدولار وارتفاع تكاليف المعيشة، باتت فكرة امتلاك وحدة سكنية تمثل عبئًا اقتصاديًا هائلًا على الأسر لا سيما الشباب المقبلين على الزواج.

 

اتهامات بخداع محدودي الدخل

 

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، تصاعدت الانتقادات ضد المبادرة، حيث اعتبر كثير من المصريين أن الدولة تستخدم وصف “محدودي الدخل” كغطاء دعائي لمشروعات لا يستطيع الفقراء الوصول إليها فعليًا.

 

ووصف سياسيون ومراقبون السياسات الحالية بأنها استمرار لنهج “الجباية” وتحويل السكن إلى سلعة استثمارية، بدلًا من كونه حقًا اجتماعيًا تكفله الدولة للمواطنين.

 

وقال السياسي سمير عليش إن ما يجري يمثل “استمرارًا لسياسات الفهلوة على محدودي الدخل”، معتبرًا أن الحكومة ترفع شعارات العدالة الاجتماعية بينما تفتح المجال عمليًا أمام كبار المستثمرين والشركات العقارية الكبرى للاستفادة من الأراضي والمشروعات الجديدة.

 

فيما قال المطور العقاري سيد محمود، العامل في مدن العاشر من رمضان وبدر والشروق، أوضح أن الحصول على قطعة أرض قبل عام 2011 كان يتطلب مقدمًا بسيطًا وأقساطًا ميسرة، بينما أصبحت أسعار الأراضي والوحدات اليوم بعيدة عن قدرة الطبقات الشعبية.

 

وأضاف أن الدولة “احتكرت” الأراضي ومشروعات البناء، وقلصت مساحات الإسكان الاجتماعي الحقيقي، في مقابل التوسع في المشروعات الفاخرة والكمبوندات المغلقة.

 

ويرى أن دخول الجيش بقوة إلى سوق العقارات ساهم في رفع الأسعار بصورة ضخمة، رغم حصول الجهات التابعة للدولة على امتيازات كبيرة في الأراضي والخدمات ومواد البناء مقارنة بالقطاع الخاص.

 

تضييق على البناء الفردي

 

وفي مقابل التوسع في المشروعات العقارية الكبرى، يتحدث مقاولون وعاملون بقطاع البناء عن قيود واسعة فرضتها الحكومة على البناء في القرى والمدن منذ سنوات.

 

ويقول مقاول البناء أشرف محمود إن آلاف العاملين في القطاع فقدوا مصادر رزقهم بعد قرارات وقف البناء والتشديد على التراخيص ومنع التعلية وتوسيع الأحوزة العمرانية.

 

وأضاف أن ملايين الشباب باتوا عاجزين عن بناء وحدات سكنية بسيطة داخل قراهم ومدنهم، ما تسبب في تفاقم أزمات اجتماعية عديدة، أبرزها تراجع معدلات الزواج وارتفاع نسب البطالة والهجرة غير الشرعية.

 

وأشار إلى أن كثيرًا من الشباب باتوا يلجؤون إلى الهجرة غير النظامية نحو ليبيا أو بعض الدول العربية بسبب انسداد الأفق الاقتصادي وصعوبة تكوين أسرة داخل مصر.

 

قوانين التصالح والهدم تزيد الغضب

 

كما أثارت حملات إزالة المباني المخالفة وقوانين التصالح المتعاقبة حالة واسعة من الغضب الشعبي، خاصة مع ارتفاع الرسوم والغرامات المفروضة على المواطنين.

 

وشهدت مواقع التواصل خلال الأيام الماضية تداول مشاهد لسيدة مسنة بمحافظة المنيا تتوسل للمسؤولين أثناء حملة إزالة منزلها، في لقطة أثارت تعاطفًا واسعًا وغضبًا تجاه سياسات الهدم دون توفير بدائل سكنية مناسبة.

 

وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة تحصيل مليارات الجنيهات من ملفات التصالح في مخالفات البناء، بينما يشتكي المواطنون من ارتفاع تكاليف توصيل المرافق والكهرباء والمياه، خصوصًا بعد زيادة أسعار العدادات الكودية.

 

ويرى متابعون أن هذه الإجراءات حولت البناء والسكن إلى عبء مالي ضخم على المواطنين، في وقت تتراجع فيه الدخول وترتفع الأسعار بصورة متسارعة.

 

دعم للمطورين الكبار.. وأعباء على المواطنين

 

وبينما تواجه الطبقات المتوسطة والفقيرة قيودًا متزايدة، تتجه الحكومة نحو تقديم تسهيلات للمطورين العقاريين الكبار، خاصة في مناطق الساحل الشمالي والبحر الأحمر وشرق القاهرة.

 

وخلال الأشهر الأخيرة، توسعت الدولة في دعم مشروعات فاخرة وشراكات مع شركات عقارية كبرى، وسط توقعات بارتفاع جديد في أسعار العقارات خلال العام الجاري نتيجة زيادة تكاليف الطاقة ومواد البناء وتراجع قيمة الجنيه.

 

ويتوقع مطورون عقاريون زيادات تتراوح بين 20 و35 بالمئة في أسعار الوحدات السكنية خلال الفترة المقبلة، وهو ما يهدد بخروج مزيد من المصريين من سوق التملك العقاري.

 

حتى الإيجار لم يعد حلًا

 

ومع صعوبة شراء الشقق، اتجه كثير من الشباب إلى خيار الإيجار، لكن هذا البديل بدوره شهد قفزات كبيرة في الأسعار.

 

ففي مناطق مثل السادس من أكتوبر والقاهرة الجديدة، ارتفعت الإيجارات بنسب تجاوزت 10 بالمئة خلال الأشهر الأخيرة، بينما تشهد المناطق الشعبية أيضًا زيادات غير مسبوقة.

 

ويؤكد سماسرة عقارات في شبرا الخيمة أن الشقق التي كانت تباع قبل عشر سنوات بنحو 100 أو 150 ألف جنيه تجاوزت اليوم حاجز المليون جنيه، فيما ارتفعت الإيجارات من ألف جنيه إلى ما بين 4 و5 آلاف جنيه شهريًا.

 

ويرى مراقبون أن أزمة السكن في مصر لم تعد مجرد أزمة عقارية، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية واقتصادية تهدد الاستقرار الأسري ومستقبل ملايين الشباب، في ظل اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار، واستمرار السياسات التي يعتبرها كثيرون منحازة للاستثمار العقاري الفاخر على حساب احتياجات الفقراء ومحدودي الدخل.