كشفت بيانات بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء في القاهرة عن ارتفاع جديد في أسعار الدواجن داخل الأسواق المصرية، حيث سجل متوسط سعر كيلو الدواجن نحو 112.25 جنيهًا بزيادة بلغت 1.5 جنيه مقارنة باليوم السابق، بينما تراوحت أسعار الدواجن البيضاء بين 98.9 جنيهًا و126.5 جنيهًا للدواجن البلدي، في وقت شهدت فيه أسعار البيض تراجعًا طفيفًا لم ينعكس فعليًا على الأعباء المعيشية التي تتحملها الأسر المصرية يوميًا.
تعكس هذه الزيادة المتواصلة في أسعار الغذاء حجم الضغوط التي تواجهها الأسر محدودة الدخل تحت وطأة السياسات الاقتصادية الحالية، بعدما تحولت الدواجن خلال السنوات الأخيرة من سلعة غذائية متاحة نسبيًا إلى عبء إضافي يضغط على ميزانيات المواطنين، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والسلع الأساسية بصورة متزامنة، ما وسّع دائرة العجز الغذائي داخل قطاعات واسعة من المجتمع.
أزمة الغذاء تتوسع داخل الأسواق المصرية
فيما جاءت الزيادة الجديدة في أسعار الدواجن وسط حالة من التذبذب المستمر التي تضرب سوق الغذاء المصري منذ شهور، حيث تواجه الأسر تغيرات شبه يومية في أسعار السلع الأساسية دون وجود استقرار حقيقي يسمح للمواطنين بإدارة احتياجاتهم المعيشية بصورة مستقرة أو واضحة.
كما أظهرت البيانات الرسمية أن أسعار الدواجن البيضاء واصلت الارتفاع التدريجي رغم تراجع أسعار البيض بشكل محدود، وهو تراجع وصفه تجار ومستهلكون بأنه غير مؤثر فعليًا، بسبب استمرار ارتفاع بقية مكونات الإنفاق الغذائي داخل المنازل المصرية خلال الفترة الحالية.
كذلك أكد الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد أن ارتفاع أسعار الغذاء في مصر لم يعد مرتبطًا بعوامل موسمية فقط، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لاختلالات هيكلية داخل الاقتصاد، خاصة مع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الاستيراد ومدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني بصورة مستمرة.
وأضاف فؤادأن الحكومة لم تنجح في بناء منظومة إنتاج غذائي مستقرة قادرة على حماية السوق المحلية من تقلبات الأسعار، ما جعل المواطن يتحمل بصورة مباشرة آثار التضخم وارتفاع تكلفة الأعلاف والطاقة والنقل، دون وجود أدوات حقيقية للرقابة الفعالة على الأسواق.
بينما تعتمد قطاعات واسعة من المصريين على الدواجن باعتبارها المصدر الأرخص للبروتين مقارنة باللحوم الحمراء، فإن استمرار الارتفاعات الأخيرة دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليص معدلات الاستهلاك أو الاتجاه نحو بدائل غذائية أقل جودة بسبب محدودية الدخل وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.
أيضًا تزامنت هذه الزيادات مع اقتراب موسم عيد الأضحى الذي يشهد عادة ارتفاعًا في الطلب على المنتجات الغذائية واللحوم، وهو ما يضاعف المخاوف من موجة غلاء جديدة قد تدفع أسعار الدواجن والسلع المرتبطة بها إلى مستويات أعلى خلال الأسابيع المقبلة.
ضغوط الإنتاج والأعلاف تدفع الأسعار للصعود
في المقابل يرى خبراء في قطاع الثروة الداجنة أن أزمة الأعلاف ما تزال تمثل العامل الأكثر تأثيرًا في ارتفاع الأسعار، خصوصًا مع استمرار الاعتماد على الاستيراد لتوفير الذرة وفول الصويا المستخدمين في تصنيع الأعلاف داخل السوق المحلية.
وأوضح نقيب الفلاحين السابق حسين عبد الرحمن أبو صدام أن تكلفة إنتاج الدواجن ارتفعت بصورة كبيرة خلال العامين الأخيرين نتيجة زيادة أسعار مدخلات الإنتاج والطاقة والأدوية البيطرية، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار البيع النهائية داخل الأسواق المصرية.
وأشار أبو صدام إلى أن كثيرًا من صغار المربين خرجوا بالفعل من السوق بسبب الخسائر المتراكمة وعدم قدرتهم على مواصلة الإنتاج في ظل تقلبات الأسعار وارتفاع التكلفة، وهو ما ساهم في تراجع المعروض وزيادة الضغوط على السوق الاستهلاكية خلال الفترات الأخيرة.
في السياق ذاته أكد الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن أزمة الغذاء الحالية ترتبط أيضًا بتراجع الأولويات الحكومية المتعلقة بالإنتاج الزراعي والحيواني، مقابل التركيز على مشروعات أخرى لا تمثل أولوية مباشرة للأمن الغذائي الذي يواجه ضغوطًا متزايدة منذ سنوات.
وأضاف ممدوح الولي أن السوق المصرية أصبحت أكثر هشاشة أمام أي تغيرات عالمية بسبب ارتفاع فاتورة الاستيراد وضعف الاكتفاء الذاتي، وهو ما يجعل أي زيادة في أسعار الأعلاف أو الشحن أو الدولار تنعكس سريعًا على أسعار الغذاء التي يتحمل المواطن كلفتها النهائية بالكامل.
إلى جانب ذلك يعاني المستهلك المصري من فجوة متزايدة بين مستوى الأسعار وحجم الدخول الفعلية، خصوصًا مع ثبات الرواتب في قطاعات واسعة وعدم مواكبتها لمعدلات التضخم المتصاعدة، الأمر الذي أدى إلى تراجع واضح في مستويات الاستهلاك الغذائي داخل كثير من الأسر.
وعلاوة على ذلك أصبحت بعض الأسر تلجأ إلى تقليل عدد الوجبات أو خفض كميات البروتين الحيواني داخل المنازل، بعدما فقدت الدواجن تدريجيًا صفتها كبديل منخفض التكلفة للحوم الحمراء، نتيجة الارتفاعات المتلاحقة التي ضربت السوق خلال الفترة الأخيرة.
في حين يرى مراقبون أن غياب الرقابة الفعالة على الأسواق ساهم في زيادة الفوضى السعرية، حيث تختلف الأسعار بصورة ملحوظة بين المناطق والمحافظات، وسط شكاوى متكررة من استغلال بعض التجار لحالة الارتباك الاقتصادي ورفع الأسعار بصورة مبالغ فيها.
تراجع القدرة الشرائية يهدد الأمن الغذائي للأسر
من ناحية أخرى حذر أستاذ الاقتصاد الدكتور جودة عبد الخالق من أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء يهدد بصورة مباشرة مستويات الأمن الغذائي داخل المجتمع المصري، خصوصًا لدى الفئات الفقيرة ومتوسطة الدخل التي أصبحت تخصص النسبة الأكبر من دخلها لتغطية احتياجات الطعام الأساسية.
وأكد جودة عبد الخالق أن التراجع الحاد في القوة الشرائية للمواطنين انعكس بالفعل على أنماط الاستهلاك، حيث تراجعت قدرة كثير من الأسر على شراء اللحوم والدواجن والبيض بصورة منتظمة، ما يهدد بتفاقم الأعباء الصحية والاجتماعية المرتبطة بسوء التغذية.
وفي الوقت نفسه تشير تقديرات اقتصادية إلى أن معدلات التضخم الغذائي ما تزال تضغط بقوة على الأسواق رغم التراجع النسبي في بعض السلع، بسبب استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات المرتبطة بسلسلة الغذاء من المزرعة وحتى المستهلك النهائي.
كذلك يرى متابعون أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد أزمة أسعار مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة معيشية ممتدة تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، في ظل تراجع قدرة الدولة على تحقيق توازن فعلي بين الدخول والأسعار أو فرض استقرار طويل الأمد داخل الأسواق.
وبالتزامن مع ذلك تتزايد شكاوى المواطنين من ارتفاع تكلفة المعيشة بصورة عامة، بعدما أصبحت الزيادات تطال الغذاء والكهرباء والمياه والنقل والخدمات الأساسية في وقت واحد، وهو ما أدى إلى تآكل متسارع في دخول الأسر خلال السنوات الأخيرة.
ثم إن استمرار الاعتماد على الاستيراد لتوفير مكونات الإنتاج الغذائي يجعل السوق المصرية أكثر تعرضًا للأزمات الخارجية وتقلبات العملة، بينما يدفع المستهلك الثمن النهائي في صورة زيادات متكررة تضرب قدرته على توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته.
وفي ظل هذه التطورات يواجه ملايين المصريين موسم عيد الأضحى وسط مخاوف متزايدة من ارتفاعات جديدة في أسعار الغذاء، بعدما تحولت موائد كثيرة إلى ساحة يومية لحسابات العجز والتقشف وتقليص الاحتياجات، في وقت تتسع فيه الفجوة بين تكاليف الحياة وقدرة المواطنين على الاحتمال.
وتكشف الزيادة الأخيرة في أسعار الدواجن أن أزمة المعيشة في مصر لم تعد مرتبطة بسلعة بعينها، بل أصبحت تعبيرًا مباشرًا عن اختلال اقتصادي ممتد يضغط على الأمن الغذائي والاجتماعي للأسر، بينما يواصل المواطن مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة دون حماية حقيقية توقف تآكل قدرته على الحياة الكريمة.

