حذر مركز معلومات المناخ في مصر من موجة حرارة “فائقة” تضرب مختلف المحافظات، بالتزامن مع ارتفاع قياسي في شدة الإشعاع الشمسي ونشاط للرياح المحملة بالرمال والأتربة، ما يضاعف من معدلات الإجهاد الحراري ويهدد بزيادة الإصابات بضربات الشمس وحالات الإغماء واضطرابات الوعي، خاصة بين كبار السن والأطفال والعاملين في الأماكن المكشوفة.

 

وتأتي الموجة الحالية في وقت يواجه فيه ملايين المصريين ظروفًا معيشية وخدمية صعبة، مع تزايد شكاوى المواطنين من ضعف وسائل الحماية داخل وسائل النقل وأماكن العمل، بينما تتسع آثار التغيرات المناخية عامًا بعد آخر دون جاهزية كافية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر في المدن والقرى والمناطق الصحراوية.

 

الصيف المناخي المبكر” يرفع الإحساس الفعلي بالحرارة

 

أوضح الدكتور محمد علي فهيم رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة أن البلاد دخلت فعليًا أول اختبار حقيقي لما وصفه بـ”الصيف المناخي المبكر”، مؤكدًا أن خطورة الموجة الحالية لا ترتبط فقط بدرجات الحرارة المعلنة، وإنما بما سماه “الطاقة الحرارية” الناتجة عن الارتفاع الكبير في شدة الإشعاع الشمسي.

 

وأشار فهيم إلى أن زيادة الإشعاع الشمسي ترفع الإحساس الفعلي بدرجات الحرارة بصورة أكبر من المعدلات المسجلة رسميًا، خصوصًا مع الاقتراب التدريجي للشمس من التعامد على مدار السرطان، وهو ما يؤدي إلى تضاعف تأثير الأشعة المباشرة خلال ساعات النهار.

 

وأضاف أن الموجة الحالية تختلف عن موجات سابقة شهدتها البلاد، لأن الجسم يتعرض خلالها إلى حمل حراري مرتفع يسبب إجهادًا أكبر للإنسان والحيوان والنبات، حتى إذا كانت درجات الحرارة المسجلة أقل من موجات أخرى مرت بها مصر في مواسم مختلفة.

 

وأكد فهيم أن هذه الظروف المناخية تزيد من صعوبة الحركة والعمل في المناطق المفتوحة، خاصة مع ارتفاع نسب الرطوبة والإشعاع الحراري في أوقات الظهيرة، وهو ما يضاعف الشعور بالاختناق والإرهاق الحراري لدى المواطنين.

 

ولفت إلى أن نشاط الرياح المثيرة للرمال والأتربة يزيد من قسوة الأجواء في الطرق الصحراوية والمناطق المكشوفة، محذرًا من تراجع مستوى الرؤية الأفقية وارتفاع مخاطر التعرض للإجهاد الحراري خلال التنقل والسفر.

 

وشدد رئيس مركز معلومات تغير المناخ على أن التغيرات المناخية العالمية جعلت مثل هذه الموجات أكثر تكرارًا وحدة خلال السنوات الأخيرة، ما يفرض إجراءات وقائية أكثر صرامة لحماية المواطنين والمحاصيل الزراعية من التداعيات المتسارعة للطقس الحاد.

 

تحذيرات طبية من جفاف الجلد واضطرابات الوعي

 

أكد الدكتور حاتم عبد الحق أخصائي الباطنة والطوارئ والحالات الحرجة أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد بصورة مباشرة من احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس، خاصة مع التعرض الطويل لأشعة الشمس وفقدان الجسم لكميات كبيرة من المياه والأملاح.

 

وأوضح عبد الحق أن الإجهاد الحراري يمثل مرحلة تحذيرية تسبق ضربة الشمس، وتظهر أعراضه عبر الإرهاق الشديد والدوخة والصداع والغثيان والتعرق الغزير وضعف القدرة على التركيز والحركة، محذرًا من أن تجاهل هذه العلامات قد يؤدي إلى تطور خطير في الحالة الصحية.

 

وأشار إلى أن ضربة الشمس تُعد من الحالات الطبية الطارئة التي يفقد فيها الجسم قدرته على تنظيم حرارته الداخلية، ما يؤدي إلى ارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم مع سخونة الجلد وجفافه وتسارع ضربات القلب وحدوث اضطرابات في الوعي.

 

وأضاف أن بعض الحالات قد تصل إلى التشنجات أو فقدان الوعي الكامل، خاصة إذا استمر التعرض المباشر للشمس دون تدخل سريع أو تعويض كافٍ للسوائل والأملاح التي يفقدها الجسم خلال ساعات الحر الشديد.

 

وأوضح أخصائي الطوارئ أن الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والعاملين في مواقع البناء والطرق والأراضي الزراعية يمثلون الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالمضاعفات الخطيرة الناتجة عن موجات الحر القاسية.

 

وشدد عبد الحق على ضرورة شرب كميات كافية من المياه والسوائل بصورة منتظمة، مع تجنب البقاء تحت أشعة الشمس المباشرة خلال ساعات الذروة، والبقاء في أماكن جيدة التهوية لتقليل فرص الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس.

 

توصيات عاجلة وسط تصاعد المخاطر المناخية

 

وجه مركز معلومات المناخ مجموعة من التوصيات العاجلة للمواطنين لتقليل مخاطر التعرض للموجة الحارة الحالية، مطالبًا بتجنب التعرض المباشر للشمس خاصة من الساعة 12 ظهرًا وحتى 4 عصرًا خلال الأيام المقبلة.

 

ودعا المركز المواطنين إلى الإكثار من شرب المياه والسوائل الباردة على مدار اليوم، وعدم انتظار الشعور بالعطش قبل تعويض السوائل، بسبب الارتفاع الكبير في معدلات الفقد الناتجة عن الحرارة والإشعاع الشمسي المرتفع.

 

كما طالب بارتداء الملابس القطنية الفاتحة واستخدام أغطية الرأس أثناء التحرك في الشوارع أو أماكن العمل المكشوفة، لتقليل تأثير الأشعة المباشرة على الجسم والحفاظ على التوازن الحراري.

 

وأشار خبراء المناخ إلى أن ارتفاع الحمل الحراري خلال ساعات النهار يرفع الإحساس الفعلي بدرجات الحرارة بصورة كبيرة، وهو ما يجعل التعرض المباشر للشمس أكثر خطورة حتى في الأيام التي تبدو فيها درجات الحرارة الرسمية أقل نسبيًا.

 

وأكد مختصون أن استمرار موجات الحرارة الحادة بهذا الشكل يعكس اتساع تأثيرات التغير المناخي على مصر والمنطقة، في ظل تراجع المساحات الخضراء وارتفاع الكثافات السكانية وضعف جاهزية كثير من المرافق والخدمات للتعامل مع الطقس المتطرف.

 

واختتم الدكتور حاتم عبد الحق تحذيراته بالتأكيد على أن التعامل السريع مع المصاب بضربة الشمس قد ينقذ حياته، موضحًا أن الإسعاف الأولي يجب أن يبدأ فورًا بنقل المصاب إلى مكان بارد والعمل على خفض حرارة جسمه سريعًا مع طلب المساعدة الطبية العاجلة دون تأخير.