مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
يبدو أن العالم واقتصاده لن ينعما بفترة هدوء أو حتى التقاط أنفاس في المستقبل القريب، فخلال السنوات القليلة الماضية واجه العالم سلسلة أزمات عنيفة ومخاطر صحية واقتصادية وجيوسياسية وأمنية ونزاعات عسكرية أثرت سلبًا وبقوة على الاقتصاد والأسواق وحركة التجارة والطيران والسفر وأسعار السلع الرئيسية والمواد الخام، وقذفت بالملايين حول العالم في أتون الجوع والبطالة والفقر والتضخم الجامح والأزمات المعيشية، ورفعت درجة تأزيم الدول، وعمقت أزمة الدين العام وعجز الموازنات العامة والفجوات التمويلية وندرة الموارد والنقد الأجنبي.
في نهاية العام 2019 صدمت جائحة كورونا العالم كله وأسفرت عن خسائر فادحة تجاوزت 16 تريليون دولار، وانكماش اقتصادي بنحو 3.2%، وشلل في كل الأنشطة المختلفة، وفقدان ملايين الوظائف، ووفيات بلغت حاجز السبعة ملايين، وأكثر من 668 مليون إصابة في أكثر من 188 دولة حتى يناير 2023، وأعقب الجائحة مباشرة نشوب واحدة من أسوأ موجات التضخم التي عرفها التاريخ الحديث، صاحبها تعقد في سلاسل التوريد العالمية، وقفزات في أسعار السلع الرئيسية، وتشدد السياسات النقدية من البنوك المركزية ورفع سعر الفائدة، واضطرابات في أسواق الصرف.
وفي فبراير 2022 واجه العالم واحدة من أسوأ النزاعات العسكرية منذ الحرب الباردة، حيث انطلقت حرب أوكرانيا التي سبَّبت اضطرابات جيوسياسية كبرى، وأزمة طاقة غير مسبوقة في أوروبا، وتهديدًا للأمن الغذائي العالمي، ونقص الغذاء والأسمدة، وصعوبة وصول الحبوب إلى أفريقيا ودول جنوب شرق آسيا ومعظم الدول الفقيرة، وحجب قمح أوكرانيا وحبوبها عن الأسواق، ومصادرة نصف احتياطي روسيا من النقد الأجنبي لدى البنوك الغربية، ومنع وصول نفطها وغازها إلى الأسواق الأوروبية، وتفجير أنابيب غاز حيوية، وزيادة إنفاق الحكومات على التسلح على حساب الخدمات المقدمة للمواطن.
وفي أكتوبر 2023 اندلعت حرب الإبادة على غزة، والتي أربكت منطقة الشرق الأوسط بالكامل، حيث صاحبها أسوأ أزمة إنسانية عرفها التاريخ الحديث، وانهيار شبه تام لاقتصاد القطاع والضفة، وخسائر فادحة للاقتصاد الإسرائيلي قدرت بنحو 57 مليار دولار، واندلاع أزمة البحر الأحمر، وخسارة مصر نحو 10 مليارات دولار من عائدات قناة السويس وفق الأرقام الرسمية.
وعقب تولي دونالد ترامب منصبه في يناير 2025 أطلق واحدة من أشرس الحروب الاقتصادية والتجارية في التاريخ، صاحبها ارتباك شديد في أسواق العالم، لم يكتف ترامب بتلك الحرب، بل راح يهدد باحتلال دول وضم جزر كما حدث مع كندا وغرينلاند وبنما وفنزويلا وكوبا وغيرها من دول أميركا اللاتينية.
وفي العام نفسه شهد العالم أزمات اقتصادية، أبرزها فرض الصين قيودًا واسعة على تصدير معادن نادرة واستراتيجية مستخدمة في الصناعات التكنولوجية والعسكرية الغربية، وهو قرار صدم الاقتصاد الأميركي وقطاعه الإنتاجي، واهتزاز أسواق العملات الرقمية وحدوث تراجع حاد في أسعار بيتكوين وغيرها، وحدوث تقلبات حادة في أسواق المال والسندات مع تفاقم حالة عدم اليقين في الاقتصادات الكبرى.
وفي الوقت الذي كان فيه العالم ينشغل بحروب ترامب التجارية والاقتصادية شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا على إيران في فبراير 2026 صاحبها اندلاع أسوأ أزمة طاقة عرفها التاريخ في المائة سنة الأخيرة، وحجب نفط وغاز الدول المطلة على الخليج عن أسواق العالم، وتكبد دول العالم خسائر تقدر بتريليونات الدولارات، وتهديد الملاحة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
ولا ننسى الأزمات الأخرى التي واجهت العالم ولا تزال تهدد اقتصاده حتى اللحظة، أزمة الديون وموجات الإفلاس والتعثر، أزمة الممرات البحرية، عودة القرصنة في القرن الأفريقي، تجدد حرب الرسوم التجارية، التغيرات المناخية الحادة، الأزمات الإنسانية في السودان وغزة، وما صاحبها من تهاوي المساعدات حول العالم، سواء المقدمة من الولايات المتحدة أو دول مجموعة السبع بسبب الأزمة المالية التي تمر بها، التوتر بين الصين وتايوان.
الآن، يواجه العالم أزمة جديدة وهي خطر فيروس هانتا الذي تفشى على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي وتحول خلال الأيام الماضية إلى أزمة صحية عابرة للحدود، وهو ما أثار ذعر أسواق العالم وسلاسل الإمداد وقطاع السياحة والسفر، ودفع السلطات الصحية وشركات الطيران في عدة قارات إلى إطلاق عمليات تتبع واسعة للمخالطين.
ورغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن خطر انتشار فيروس هانتا إلى عامة السكان يظل منخفضًا، وأن العدوى لا تنتشر بأي شكل يقترب من الطريقة التي كان ينتشر بها فيروس كوفيد، إلا أن الكشف عن الوباء أعاد إلى الذاكرة جائحة كورونا وما صاحبها من هزات صحية وإنسانية وتأثيرات اقتصادية ومالية.

