كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أخفى بيانات كاملة عن تسريح آلاف الجنود والضباط من الخدمة العسكرية بسبب اضطرابات نفسية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، رغم طلبات قانونية وإعلامية متكررة للحصول على الأرقام الرسمية خلال عام 2025.
تفتح هذه البيانات بابا ثقيلا داخل المجتمع الإسرائيلي، لأن المؤسسة العسكرية التي تروّج لصورة التماسك والقوة تبدو عاجزة عن كشف كلفة الحرب النفسية على جنودها، بينما يواصل الفلسطينيون في غزة دفع الكلفة الأكبر تحت القصف والحصار والتجويع.
إخفاء الأرقام يفضح أزمة داخل المؤسسة العسكرية
قالت هآرتس إن الجيش الإسرائيلي امتنع عن تقديم معلومات دقيقة بشأن أعداد الجنود الذين جرى تسريحهم بسبب أوضاعهم النفسية، رغم أن الصحيفة قدمت طلبا رسميا في يونيو الماضي استنادا إلى قانون حرية المعلومات، ولم تحصل على رد نهائي حتى الآن.
ويكشف هذا الامتناع أن الأزمة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بطريقة إدارة الجيش للرواية العامة داخل إسرائيل، إذ تنشر المؤسسة العسكرية ما يخدم صورتها الدعائية بسرعة، بينما تؤخر البيانات التي تفضح حجم الانهيار النفسي داخل صفوف المقاتلين.
ونقلت الصحيفة عن ضباط خدموا في شؤون الأفراد ومكتب المتحدث العسكري أن الجيش يتعمد تأخير نشر البيانات الحساسة، خصوصا تلك التي قد تؤثر في صورته العامة أو تضعف الروح المعنوية داخل المجتمع الإسرائيلي.
7241 حالة تسريح تكسر رواية التماسك
أظهرت البيانات التي سمح الجيش بنشرها بعد ضغوط قانونية وإعلامية أن 7241 ضابطا وجنديا جرى تسريحهم خلال السنة الأولى من الحرب بسبب أوضاعهم النفسية، وهو رقم وصفته مصادر في إدارة شؤون الأفراد بأنه الأعلى في تاريخ الجيش الإسرائيلي.
ولا يقف الأثر عند التسريح المباشر، لأن التقرير أشار إلى نقل آلاف الجنود من الوحدات القتالية إلى مهام خلفية أو أدوار دعم، نتيجة الإرهاق النفسي والضغط المتراكم من الحرب الطويلة على غزة.
وتعزز تقارير دولية صورة الأزمة، إذ تحدثت رويترز عن ارتفاع كبير في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود الإسرائيليين، بينما قالت أسوشيتد برس إن الحرب تركت مسارا متصاعدا من الصدمات والانتحار داخل صفوف العسكريين.
حرب غزة تضرب الجيش من الداخل
أنشأ الجيش الإسرائيلي مراكز علاج متخصصة ووسع عدد ضباط الصحة النفسية لمواجهة تدفق الحالات، لكن هذه الإجراءات تؤكد حجم الأزمة بدلا من نفيها، لأن المؤسسة العسكرية لم تكن لتفتح هذا المسار لولا تضخم الانهيارات النفسية بين الجنود.
وتحدثت مصادر عسكرية عن محاولات لإبقاء ارتفاع معدلات الانتحار خارج البيانات الرسمية حتى نهاية عام 2024، خشية انعكاس ذلك على الرأي العام، وهو ما يكشف خوف القيادة من تحول الجبهة الداخلية إلى ساحة مساءلة سياسية وعسكرية.
ورغم الحديث عن وقف إطلاق نار سابق، تستمر التداعيات العسكرية والإنسانية للحرب، إذ يواصل الجيش عملياته وحصاره على غزة، بينما تتراكم داخل إسرائيل علامات إنهاك نفسي بين الجنود النظاميين وقوات الاحتياط.
وتضع هذه الوقائع الجيش الإسرائيلي أمام تناقض صارخ، فهو يطلب من جنوده الاستمرار في حرب طويلة ومدمرة، ثم يخفي أرقام المنهكين نفسيا عندما تتحول الحرب إلى عبء داخلي لا تستطيع الدعاية العسكرية تغطيته.
وتبقى دلالة تقرير هآرتس أوسع من رقم التسريح، لأن 7241 حالة خلال عام واحد تعني أن الحرب لم تضرب غزة وحدها، بل فتحت داخل الجيش الإسرائيلي شرخا نفسيا ومؤسسيا يصعب إغلاقه بالبيانات المنقوصة أو التلاعب بالأرقام.

