يرى رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد" مصطفى عبد السلام، أن ردود الفعل التي صدرت عن لجنة الاتصالات بمجلس النواب المصري بشأن رفع أسعار خدمات المحمول والإنترنت لم تكن مفاجئة، بل جاءت – وفق وصفه – في إطار محاولات تجميل صورة البرلمان وإظهار وجود رقابة على الحكومة، رغم أن الواقع، من وجهة نظره، يكشف عن فجوة واسعة بين الشارع المصري والمؤسسة التشريعية.

 

ويعتبر الكاتب في مقاله "المصريون في وادٍ والبرلمان في وادٍ آخر" أن انتقادات بعض النواب لقرار زيادة الأسعار، وحديثهم عن ضرورة مناقشة القرار داخل البرلمان أو البحث عن بدائل مثل إلغاء ضريبة القيمة المضافة على الإنترنت، لا يتجاوز حدود “الدخان السياسي” الذي لا يغير شيئًا في حياة المواطنين ولا يوقف موجات الغلاء المتلاحقة.

 

ويؤكد الكاتب أن قطاعًا كبيرًا من المصريين بات يرى البرلمان بعيدًا عن هموم الناس الحقيقية، خاصة مع غياب مناقشات جادة حول القضايا الاقتصادية والمعيشية الكبرى، وعدم ممارسة دور رقابي حقيقي على الحكومة. ويشير إلى أن البرلمان، طوال سنوات، لم يقدم نموذجًا واضحًا لمحاسبة السلطة التنفيذية أو الكشف عن ملفات فساد أو مراجعة أولويات الإنفاق العام، كما لم يشهد الشارع المصري استجوابات مؤثرة تتعلق بارتفاع الدولار أو أزمات الطاقة أو تراجع الخدمات الأساسية.

 

قوانين مثيرة للجدل.. والابتعاد عن الملفات الأكثر إلحاحًا

 

ويتوقف المقال عند ما يصفه الكاتب بانشغال البرلمان بقضايا جانبية أو مثيرة للجدل اجتماعيًا، مثل مشروع قانون الأسرة الجديد، الذي يمنح الزوجة حق فسخ عقد الزواج خلال ستة أشهر، حيث يرى أن تصوير المشروع باعتباره انتصارًا للمرأة يخفي – بحسب رأيه – تداعيات قد تؤدي إلى زيادة نسب الطلاق وتعقيد العلاقات الأسرية، في وقت يواجه فيه المجتمع أزمات اقتصادية خانقة تحتاج إلى أولوية أكبر داخل المؤسسة التشريعية.

 

ويشير الكاتب إلى أن حالة “الانقطاع” بين الرأي العام والبرلمان تعمقت مع استمرار تجاهل الملفات المرتبطة بارتفاع الأسعار، سواء أسعار السلع الأساسية أو الوقود أو الخدمات اليومية كالكهرباء والمياه والاتصالات والمواصلات، لافتًا إلى أن المواطنين لا يشعرون بوجود نقاشات حقيقية داخل البرلمان تعكس حجم الضغوط المعيشية التي تتزايد يومًا بعد آخر.

 

كما ينتقد غياب النقاش البرلماني حول القضايا الاقتصادية الاستراتيجية، وعلى رأسها ملف الديون الخارجية المصرية التي تجاوزت – بحسب الأرقام التي أوردها – 163.9 مليار دولار بنهاية العام الماضي، إضافة إلى أعباء السداد الضخمة خلال الفترة المقبلة. ويرى الكاتب أن البرلمان لم يفتح بصورة جادة ملف تأثير تلك الديون على القرار الاقتصادي المصري، ولا مخاطر ارتباط السياسات الاقتصادية بإملاءات المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.

 

أسئلة الاقتصاد المؤجلة.. من الديون إلى بيع الأصول

 

ويطرح المقال تساؤلات عديدة بشأن مصير القروض والمنح والمساعدات الخارجية التي حصلت عليها مصر خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن البرلمان لم يقدم للرأي العام توضيحات كافية بشأن أوجه إنفاق تلك الأموال أو جدوى العديد من المشروعات الكبرى التي جرى تنفيذها بتمويل ضخم من المال العام.

 

ويتساءل الكاتب عن غياب جلسات استماع حقيقية قبل اتخاذ قرارات مصيرية مثل تعويم الجنيه أو إقامة مشروعات عملاقة كالعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والجلالة و”ذا سباين”، مشيرًا إلى أن البرلمان لم يناقش بصورة كافية تأثير تلك السياسات على الطبقة الوسطى والفئات الفقيرة، ولا أسباب استمرار برنامج “الإصلاح الاقتصادي” رغم ما سببه – وفق المقال – من اتساع دوائر الفقر وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

 

كما يلفت إلى غياب الاستجوابات المتعلقة ببيع أصول الدولة أو التخارج من شركات استراتيجية وبنوك وقطاعات إنتاجية مهمة، إضافة إلى ما يصفه بتنامي نفوذ الاستثمارات الإماراتية في قطاعات حيوية داخل الاقتصاد المصري، تشمل الموانئ والبنوك والمستشفيات ومعامل التحاليل.

 

الغلاء المتصاعد والشارع الغاضب

 

وفي ختام قراءته، يؤكد الكاتب أن البرلمان لم يقدم حتى الآن مواجهة حقيقية مع الحكومة بشأن موجات الغلاء المتتالية، ولا بشأن الزيادات المستمرة في أسعار الوقود والخدمات الأساسية، رغم انعكاس ذلك المباشر على حياة المواطنين. ويشير إلى أن الشارع المصري يواجه ضغوطًا اقتصادية متفاقمة تشمل التضخم والبطالة وتآكل الدخول وتراجع الاستثمارات، بالتزامن مع اضطرابات إقليمية متزايدة أثرت على الاقتصاد، كان آخرها تداعيات الحرب على إيران.

 

ويرى الكاتب أن المشكلة الأساسية لم تعد فقط في القرارات الاقتصادية الصعبة، بل في غياب النقاش العام الحقيقي حولها داخل المؤسسة التشريعية، ما جعل قطاعات واسعة من المواطنين تشعر بأن البرلمان بات بعيدًا عن أزماتهم اليومية، وغير قادر على القيام بدوره في الرقابة والمحاسبة والدفاع عن المصالح المعيشية للناس.