أعلنت جهات تنظيم سوق الاتصالات في مصر مساء الأربعاء 6 مايو عن تحريك أسعار بعض باقات المحمول والإنترنت بنسب تتراوح بين 9% و15% شاملة الضرائب مع بدء التطبيق تباعا في منافذ الشحن وهو ما تسبب في شلل فوري داخل قطاع البيع بالتجزئة بعدما توقفت محلات عن الشحن بالأسعار القديمة انتظارًا للتسعير الجديد.
جاء الشلل بينما يعتمد المواطنون على الرصيد والباقات كخدمة يومية للعمل والتعليم والخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني لأن أي ارتباك في الشحن يقطع صلة الناس بأبسط احتياجاتهم ثم تترك الحكومة السوق يتخبط بين تعليمات التطبيق التدريجي وخوف التجار من خسائر الفروق في الأسعار دون آلية انتقال واضحة تحمي المستهلك.
زيادات مايو تربك الشحن اليومي وتحوّل المحلات إلى نقطة اختناق
وبعد إعلان الزيادة بدأت شركات الدفع الإلكتروني ومقدمو الخدمات إخطار الموزعين والوكلاء بتطبيق التسعير الجديد اعتبارا من بعد الساعة 12 منتصف الليل مساء الأربعاء 6 مايو مع توقع تطبيق تدريجي داخل الأسواق وهو ما دفع محلات كثيرة لتعليق الشحن حتى لا تتحمل فرق السعر.
وفي الوقت نفسه أصبح المواطن الذي يدخل ليشحن باقة أو رصيد أمام إجابة واحدة من البائع هي الانتظار لأن المحل لا يريد بيع خدمة بسعر قد يصبح أقل من تكلفة استبدالها بعد ساعات ثم يتحول الانتظار إلى غضب لأن المستخدم لا يرى سوى انقطاع الخدمة بينما لا يجد جهة واحدة تشرح له ماذا يحدث.
كما أن سوق كروت الفكة والأنظمة المدفوعة مقدما يعمل على هامش ربح ضيق وعندما تنتقل الأسعار في ليلة واحدة يصبح البائع معرضا لخسارة فورية إذا شحن بسعر قديم ثم اشترى رصيدا جديدا بسعر أعلى لذلك اختار كثيرون الإيقاف بدل المخاطرة.
ثم زادت الأزمة لأن بعض تقارير السوق تحدثت عن توقف مؤقت لخدمات مرتبطة بتعديل الأسعار داخل أنظمة الشحن وهو ما ضاعف ارتباك المستخدمين بين تطبيقات الدفع وشاشات الشحن ونقاط البيع وأصبح الانقطاع جزءا من يوم الناس لا مجرد خبر اقتصادي يقرأونه.
وعلى هذا الأساس قال المهندس إسلام ثروت خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إن تبرير الشركات للزيادة عبر عبارة تحسين الجودة وارتفاع الاستهلاك لا يصبح مقنعا عندما يدفع المواطن ثمن الزيادة ثم يواجه تعطيلا عند نقطة الشحن نفسها لأن الخدمة تبدأ من لحظة القدرة على الشراء لا من بيانات البيانات.
نبذة الارتفاعات الأخيرة من 9% إلى 15% وباقات جديدة لا تمنع أثر الغلاء
ومن ناحية القرارات أعلنت جهات التنظيم أن الزيادة تركزت على بعض الباقات بنسب من 9% إلى 15% مع الإشارة إلى ثبات أسعار خدمات أساسية مثل المكالمات خارج الباقات وسعر دقيقة الصوت وأسعار كروت شحن الرصيد وخدمات المحافظ الإلكترونية وفق بيانات نقلتها منصات صحفية.
لكن التطبيق العملي على الأرض أظهر أن ثبات بعض البنود لم يمنع صدمة المستهلك لأن معظم الاستخدام اليومي أصبح داخل منظومة الباقات وليس خارجها ولأن كروت الفكة في واقع البيع تعمل كباقات وحدات وليست مجرد رصيد صاف وهو ما يجعل أي تحريك فيها ضربة مباشرة لفئات واسعة.
وبالتوازي أعلنت جهات التنظيم توجيه الشركات لطرح باقات أقل تكلفة مثل باقة إنترنت أرضي بسعر 150 جنيه بدل باقة أدنى كانت تقارب 210 جنيه مع إتاحة باقة محمول منخفضة القيمة بهدف توسيع الشمول الرقمي إلا أن الأثر السريع للزيادة ظل هو الغلاء لا التخفيض.
وعلى مستوى الاقتصاد قال الدكتور مدحت نافع إن رفع أسعار خدمات الإنترنت لا يقتصر تأثيره على ما يدفعه المستهلك مباشرة بل يمتد إلى هيكل تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين للسلع والخدمات بما يخلق ضغوطا تضخمية غير مباشرة لأن الإنترنت أصبح مدخلا أساسيا لكل نشاط تجاري وخدمي.
ثم أوضح نافع أن استمرار هذا المسار مع زيادات سابقة في الكهرباء والمحروقات يدفع نحو تضخم تكاليف يصعب علاجه لأن ارتفاع التكلفة يضغط على جانب العرض ويضعف تنافسية الصناعة المحلية ويزيد الاعتماد على الواردات وهو ما يدفع المواطن ثمنه مرتين عبر السعر وعبر تراجع فرص التشغيل.
أزمة الشحن تكشف هشاشة التحول الرقمي وتناقض وعود تحسين الخدمة
وفي السياق نفسه لا يمكن فصل شلل الشحن عن حقيقة أن الخدمات الرقمية أصبحت عمودا يوميا للحياة لأن الموظف يحتاج الإنترنت لعمله والطالب يحتاجه لدراسته والأسرة تحتاجه للتواصل والخدمات المالية وعندما تتعطل نقطة البيع بسبب قرارات سعرية مرتبكة تظهر هشاشة التحول الرقمي الذي تروج له الحكومة.
ومن ثم قال الدكتور محمد عزام خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات إن قطاع الاتصالات هو العمود الفقري للتنمية في كل القطاعات وإن أي اضطراب في توافر الخدمة أو سهولة الوصول إليها يضرب كفاءة الخدمات العامة والخاصة لأن الدولة تبني خدماتها على اتصال مستقر لا على سوق يتوقف فيه الشحن فجأة.
كما تكشف الأزمة تناقضا واضحا بين خطاب تحسين الجودة وبين واقع أن الزيادات تقر ثم تترك منافذ البيع وحدها تدير فترة انتقالية بلا حماية لأن التاجر يخاف الخسارة والمواطن يخاف الانقطاع والجهة المنظمة تكتفي بعبارة التطبيق التدريجي دون جدول واضح يلزم الشركات والموزعين بإعلان موحد.
وأخيرا يعكس المشهد أن الحكومة نقلت عبء الزيادة إلى جيوب الناس من دون أن تضمن أبسط حق وهو القدرة على الشحن وقت الحاجة لأن منطق إدارة الأسعار بهذه الطريقة يحول الخدمة إلى أزمة يومية ويعاقب المستهلك على قرارات لم يشارك فيها ويغلق الباب أمام ثقة السوق في أي تعديل قادم.

