في حديثه عن ارتباط الدعوة بالمحنة، يوضح أ. أحمد صلاح أن من عرف الدعوة عرف معها المشقة والتعثر، وأن من سار في طريق الرسالات أدرك أن الطريق طويل وصعب وشاق. فالدعوة إلى الله لا تنفصل عن احتمال الأذى، لأن من أراد رضا الله بهداية البشر، كان عليه أن يتحمل أذاهم، وأن يصبر على عنادهم ومقاومتهم.
ويشير أحمد صلاح إلى أن هذه هي طبيعة الرسالات والدعوات، وأنها سنة ماضية على الجميع، لا يستثني الله منها أحدًا، حتى أنبياءه ورسله، وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم. فقد عانى الرسول الكريم ما لم يعانه أحد، وتحمّل ما لم يتحمله أحد، وهو يحمل أعظم رسالة إلى البشر جميعًا.
كما يربط أحمد صلاح بين سيرة الرسالة ودروس الثبات، إذ لا تحكي هذه السيرة آلاف المحن والعثرات والمشكلات والمؤامرات والنوازل والمصائب فحسب، بل تكشف أيضًا كيف واجه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الشدائد بإيمان صلب، وذكاء شديد، وبساطة مذهلة، وفكر ناضج. وقد مكّنهم ذلك من تحقيق الحلم الذي عاشوا وضحوا من أجله، في مشهد أذهل الجزيرة العربية كلها، ولا يزال يذهل كل من يقرأ التاريخ حتى اليوم.
المحنة تكشف صدق الدعوة وصلابة أصحابها
يربط أ. أحمد صلاح بين الدعوة والمحنة ربطًا مباشرًا، ويؤكد أن هذا الارتباط لن ينفك، لأن المحنة تكشف معادن الرجال، وتظهر صلابة الفكرة، وتقيس قوة الإيمان. فلا يمكن أن يعرف الناس صاحب الدعوة على حقيقته إلا إذا اختبر في شيء يحبه، ثم وجد نفسه مضطرًا إلى المفاضلة بين ما يؤمن به وما يتعرض له من أذى وضغط.
وفي هذا السياق، يستشهد بقوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، ليؤكد أن الإيمان لا يبقى دعوى مجردة، وإنما يظهر صدقه عند الامتحان، وأن الفتنة ليست خروجًا عن طريق الدعوة، بل هي جزء من سنن الطريق.
ثم ينتقل إلى سبب آخر لارتباط الدعوة بالمحنة، وهو أن المحنة تعيد دراسة الأفكار وصياغتها من جديد، وتمنح الداعية والدعوة خبرات أوسع. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في شدة المحنة وحدها، ولا في أثرها المادي المباشر، وإنما في طريقة استقبال الدعاة لها، وفي تأثيرها النفسي عليهم، وفي قدرتها على دفع أفكارهم إلى اتجاهات سلبية تشدهم إلى الوراء، وتدفعهم إلى الكسل والركون، وتغرس في نفوسهم الإحباط واليأس.
الإحباط أخطر سلاح يواجه الدعوة
يحذر أ. أحمد صلاح من الإحباط بوصفه أخطر سلاح يمكن أن يصيب أصحاب الدعوة والمجتمعات، لأنه إذا تسلل إلى النفوس أنهى المعركة من داخلها قبل أن تنتهي في الواقع. ومن هنا تأتي خطورة محنة المسجد الأقصى، ومحنة أهل غزة، وما يحدث لأهل الضفة الغربية من تهجير، فهذه الوقائع شديدة على النفس، وقد تدخل اليأس إلى قلوب بعض الناس، وتزلزل بعض الأفكار لديهم.
وعلى مستوى الواقع الاجتماعي، يلفت إلى أن انتشار الفساد في المجتمع، وتدهور مستوى الأخلاق، وازدياد معاناة الناس، وهجوم الأفكار المنحلة، قد تدفع بعض الناس إلى تخيل أن المعركة مع الباطل قد حسمت، وأن الأمل في التغيير قد تراجع. وعند هذه النقطة يصبح الإحباط خطرًا قاتلًا، لأنه إذا تسلل إلى المجتمع، فإنه يعني نهاية المعركة بجدارة، ثم نهاية كل شيء بعد ذلك.
ولكي يواجه هذا الشعور، يستحضر أ. أحمد صلاح موقفًا عظيمًا من غزوة الأحزاب، حين كان المسلمون في موقف عصيب وصعب وخطير ومحبط. فقد هاجم جيش قريش وغطفان وبقية القبائل المدينة من خارجها، وجاء الخطر من الداخل بعد موقف بني قريظة، فصار المسلمون محاصرين بين خطر داخلي وجيش قوامه عشرة آلاف مقاتل من الخارج، وكلهم عزم على كتابة النهاية.
وقد بلغ الموقف من القسوة ما وصفه القرآن وصفًا دقيقًا في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. ومع ذلك، كان الرسول صلى الله عليه وسلم في قلب هذه اللحظة مصدرًا للأمل، ولم يسمح للخوف أن يتحول إلى يأس يقتل الروح.
ويعرض أ. أحمد صلاح تفاصيل مشهد الخندق، حين وزع الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على مجموعات للحفر، ثم اعترضت صخرة صلبة المجموعة التي كان فيها سلمان الفارسي. وقد عجز الصحابة عن كسرها، حتى استأذن سلمان الرسول صلى الله عليه وسلم في تغيير مسار الحفر لتفاديها.
عندئذ عاد الرسول صلى الله عليه وسلم مع سلمان إلى موقع الصخرة، ورأى أن الأمر يحتاج إلى محاولة أخيرة. فطلب معولًا، وطلب من الصحابة أن يبتعدوا حتى لا تصيبهم الشظايا، ثم سمى الله، ورفع يديه الشريفتين، وهوى على الصخرة بضربة قوية أحدثت فيها فلقًا عميقًا، وخرجت منها شرارة عظيمة أضاءت جوانب المكان.
وبعد هذه الضربة، تحولت دهشة سلمان إلى يقين جديد عندما سمع بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم: “الله أكبر.. أعطيت مفاتيح فارس، ولقد أضاء لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإن أمتي ظاهرة عليها”. لقد كانت نبوءة نصر في وقت كان كثيرون يتوقعون الهزيمة.
ومع الضربة الثانية، جاءت بشارة أخرى حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “الله أكبر.. أعطيت مفاتيح الروم، ولقد أضاء لي منها قصورها الحمراء، وإن أمتي ظاهرة عليها”. فارتفعت الروح المعنوية للمسلمين، وأيقنوا أن النصر آت لا محالة، واختتم المشهد بتهليل وتكبير رجّت الأرض شدته، وهم يقولون بإيمان عظيم: “هذا ما وعدنا رسول الله”.
ومن هذا المشهد، يستخلص أ. أحمد صلاح أن الأمل انتقل إلى المسلمين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان صادقًا في بثه، رغم هول الموقف وصعوبته. فالإحباط يشل التفكير، ويحبط الهمة، ويجعل النفس تضع العوائق أمام نفسها دون مبرر أحيانًا، كما يجعلها تضخم العوائق الموجودة أحيانًا أخرى.
ويخلص إلى أن الإحباط يجعل الإنسان يرى إمكاناته ضعيفة مهما كانت قوية، ويرى إمكانات أعدائه عظيمة وإن كانت ضعيفة. لذلك تصبح مقاومة الإحباط واجبًا دعويًا وإيمانيًا، لأن المعركة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الخارج.
الإسلام يفتح أبواب الأمل ويحاصر اليأس
يؤسس أ. أحمد صلاح فكرته هنا على أن فلسفة الإسلام قائمة على تصدير الأمل ومحاربة اليأس بشتى السبل، حتى عدّ اليأس ناقضًا للإيمان. وقد جاء ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾، كما ربط القرآن القنوط بالضلال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾.
ولم يغلق الإسلام باب الرجاء أمام العصاة، بل فتحه واسعًا مهما بلغت المعصية وتعاظمت الذنوب، فجاء الخطاب الإلهي رقيقًا رحيمًا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. وهذا المعنى يمنع الإنسان من الاستسلام لليأس، ويدفعه إلى العودة إلى الله مهما طال بعده.
كما جعل الإسلام الحساب بخواتيم الأعمال، حتى يبقى الأمل حاضرًا في صدر العبد إلى آخر لحظة في حياته. وفي هذا المعنى يأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة”، وهو حديث رواه البخاري ومسلم.
ومن باب أوسع، أقام الإسلام العقيدة على الأمل في الجنة، فجعل العبد يتحمل مشاق الحياة وآلامها وتقلباتها، في انتظار الجائزة الكبرى يوم لقاء الله. ولذلك يظل المؤمن يعمل وينتظر ثواب الله في الآخرة، حتى إن فشل في الدنيا، مستحضرًا قوله تعالى: ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
بهذا التصور، يصبح الإسلام دينًا يجعل المسلم يبذل ماله ووقته ونفسه وهو راض، لأنه متعلق بالأمل في الجنة والآخرة. فالأمل هو الحياة والحلم، وفقدان الأمل يعني فقدان الحياة وموت الحلم.
الداعية حامل الأمل وحارس الثبات
ينتهي أ. أحمد صلاح إلى أن دور الداعية في حياة الناس دور مهم وخطير، لأنه الحصن الذي لا ينبغي أن تنهار عزيمته، ولا تهتز ثقته بالله، ولا تتبلبل أفكاره. فالداعية هو القائد الذي يصمد إذا انكسر الناس، وهو الباحث عن أشعة الأمل في قلب الظلام.
ومن أجل أداء هذا الدور، يحمل الداعية مسؤولية تصدير الأمل للناس، وبث الحماس في نفوسهم، وتصحيح أفكارهم. ويكون ذلك على مرحلتين؛ تبدأ الأولى بإجراء الحوارات، والاستماع إلى كل الآراء بصدر رحب، والرد على كل الشبهات الخاصة بالموضوع.
أما المرحلة الثانية، فتقوم على تذكير الناس بالآخرة، وحثهم على الثقة في وعد الله، لأن الله لا يخلف وعده أبدًا، ولأن الثقة بوعد الله جزء لا يتجزأ من الإيمان به. وبهذا يجمع الداعية بين معالجة الشبهات العقلية وتقوية المعاني الإيمانية في القلوب.
ولكي يتمكن الداعية من القيام بهذه المهمة، يحتاج إلى خصال أساسية، أولها الثقافة والاطلاع والقدرة على الحوار. وقد أرشد القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وتأتي الإيمانيات المرتفعة في مرتبة لازمة، لأن الداعية لا يستطيع أن يمنح الناس الأمل إذا كانت صلته بالله ضعيفة. ولذلك يحتاج إلى الحفاظ على علاقته بربه، ولا سيما الورد القرآني، والمواظبة على قيام الليل، حتى يبقى قلبه حيًا ويقينه ثابتًا.
ثم يحتاج الداعية إلى الصبر وقوة التحمل، لأن الدعوة طريق طويل، ولأن حمل الناس على الخير يحتاج إلى نفس طويل وثبات دائم. وقد جاء عن علقمة أن عبيد الله قال: “الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله”، وهو أثر رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
وهكذا يقرر أ. أحمد صلاح أن الله وضع مهمة الدعوة في أرقى المهام على وجه الأرض، فهي مهمة الرسل والأنبياء، وهي سفينة نوح التي ينتظرها الناس عندما تعصف الحياة بهم، وهي السكينة والأمان عندما يهاجمهم القلق ويعتريهم ضعف الإيمان. ومن هنا تبقى الدعوة بابًا لإعادة الناس إلى ربهم، وبث الحياة والأمل في قلوبهم من جديد.

