أنهت حركة حماس البت في الطعون المقدمة على عملية ملء الشواغر داخل مكتبها في قطاع غزة، واقتربت الحركة من إعلان رئيس جديد للمكتب السياسي العام نهاية الأسبوع الجاري، بعد أشهر من التعثر التنظيمي الذي أعقب مقتل رئيس المكتب السياسي يحيى السنوار وقيادات أخرى خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع.
وتأتي الخطوة في سياق سياسي وأمني بالغ التعقيد، إذ تحاول الحركة إعادة ترتيب هياكلها القيادية تحت ضغط الاستهداف الإسرائيلي، واستمرار الحرب، وتداخل ملفات التفاوض والقيادة الميدانية والتنظيمية. وتكشف المنافسة بين خليل الحية وخالد مشعل عن سؤال أوسع داخل حماس يتعلق بمركز القرار بين غزة والخارج، وبالاتجاه الذي ستسلكه الحركة خلال المرحلة الانتقالية.
انتخابات تكميلية بعد طعون وتعثر متكرر
وقال مصدران في المكتب السياسي لحركة حماس إن الحركة انتهت من مراجعة الطعون المرتبطة بعدد من المواقع القيادية داخل قطاع غزة، والتي جرى اختيار قادتها بعد مقتل مجموعة من قيادات الصف الأول خلال العدوان الإسرائيلي، وعلى رأسهم يحيى السنوار، الذي كان يتولى رئاسة المكتب السياسي العام قبل مقتله في أكتوبر 2024.
وأوضح أحد المصدرين أن هذه الطعون تسببت في تأخير حسم اختيار رئيس الحركة الجديد وثلاثة أعضاء في المكتب السياسي، بعدما تعثرت الانتخابات مرتين على الأقل خلال يناير وفبراير الماضيين. ويعكس هذا التعثر حساسية اللحظة التنظيمية التي تمر بها الحركة، خصوصًا أن الاختيار الحالي لا يتعلق بدورة كاملة، بل بمرحلة تكميلية.
وبحسب المصدرين، فإن الانتخابات المنتظر إعلان نتيجتها نهاية الأسبوع الجاري ستكون انتخابات تكميلية لمدة عام واحد فقط، بهدف استكمال الدورة الحالية التي تنتهي في مارس 2027. وهذا يعني أن القيادة الجديدة ستعمل ضمن إطار زمني محدود، لكنها ستدير ملفات ثقيلة تتعلق بالحرب والتفاوض وإعادة بناء القرار الداخلي.
وفي منتصف الأسبوع الماضي، استكملت الحركة عملية التصويت لاختيار رئيس المكتب السياسي العام وأعضاء المكتب السياسي عن غزة والضفة الغربية والخارج. وجرت العملية عبر آلية تعرف داخل الحركة باسم “التمرير”، وهي طريقة تصويت سرية يعتمد عليها مجلس الشورى المكون من 58 عضوًا، لتقليل مخاطر الاستهداف الإسرائيلي.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في ظل ظروف الحرب، لأن الحركة لا تستطيع عقد اجتماعات تقليدية أو إعلان مسارات تنظيمية مفتوحة. لذلك تعتمد حماس على تصويت سري ومجزأ يحافظ على الحد الأدنى من انتظام مؤسساتها، بينما تتحرك أجهزتها السياسية والأمنية في بيئة شديدة الخطورة.
الحيةالأقرب إلى رئاسةالمكتب السياسي
تنحصر المنافسة على رئاسة المكتب السياسي العام بين خليل الحية، رئيس مكتب الحركة في غزة، وخالد مشعل، رئيس مكتب الحركة في الخارج، وفق المصدرين. وتؤكد هذه المنافسة أن الصراع التنظيمي لم يعد مجرد اختيار اسم جديد، بل أصبح اختبارًا لوزن غزة في مقابل وزن الخارج داخل بنية القرار الحمساوي.
وقال المصدر الثاني إن خليل الحية بات الأقرب إلى تولي المنصب، في ظل دعم الجناح العسكري للحركة وسيطرة إقليم غزة على القرار داخل المكتب السياسي حاليًا. ويمثل هذا الترجيح انتقالًا واضحًا في مركز الثقل التنظيمي، لأن القيادة التي خرجت من تجربة الحرب داخل غزة تحاول تثبيت حضورها في قمة الهرم السياسي.
وفي المقابل، يحتفظ خالد مشعل بحضور تاريخي داخل الحركة، خصوصًا في شبكة علاقات الخارج والملفات السياسية الإقليمية. لكن ترجيح الحية يعكس أن الحركة تميل في هذه اللحظة إلى قيادة أكثر ارتباطًا بالميدان وبملف التفاوض الجاري، بدل إعادة مركز القرار إلى قيادة الخارج وحدها.
وكانت تقارير صحفية سابقة قد أشارت إلى أن المنافسة على رئاسة المكتب السياسي لحماس ظلت محصورة بين الحية ومشعل، وأن الانتخابات الاستثنائية ستمنح الرئيس الجديد مدة مؤقتة قبل انتخابات أوسع لهياكل الحركة. وتطابق هذه المعطيات ما كشفته المصادر عن طبيعة الدورة التكميلية الحالية.
وتعني هذه الصيغة المؤقتة أن الرئيس الجديد لن يبدأ من صفحة تنظيمية مستقرة، بل سيتسلم قيادة حركة تعرضت لضربات أمنية وعسكرية كبيرة، وتواجه في الوقت نفسه تحديات سياسية تشمل وقف الحرب، وملف الأسرى، وترتيبات إدارة غزة، وعلاقات الحركة مع الوسطاء الإقليميين.
صعود أسماء غزة وترتيب ملف التفاوض
قال المصدر الأول إن أبرز المرشحين لشغل المقاعد الثلاثة في المكتب السياسي عن غزة هم باسم نعيم، رئيس الدائرة السياسية، وغازي حمد، عضو وفد الحركة المفاوض، وعلي العامودي، نائب رئيس المكتب السياسي الجديد للحركة في غزة. ويكشف هذا الترشيح عن صعود وجوه مرتبطة بالملف السياسي والتفاوضي داخل القطاع.
وأشار المصدر الثاني إلى أن علي العامودي، الذي كان مدير مكتب يحيى السنوار وأحد الأسرى المحررين في صفقة جلعاد شاليط عام 2011، أصبح نائبًا لرئيس مكتب الحركة في قطاع غزة بعد البت في الطعون. كما أسفرت الطعون عن تثبيت خليل الحية رئيسًا لمكتب الحركة في غزة رسميًا، بعدما ظل قائمًا بالأعمال منذ استشهاد يحيي السنوار.
وبحسب المصدر نفسه، فإن العامودي سيتولى رئاسة مكتب الحركة في غزة إذا اختارت الحركة خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي العام. وهذا الترتيب يوضح أن حماس تجهز انتقالًا داخليًا متدرجًا، يمنع فراغ القيادة في غزة، ويحافظ على مركزية الإقليم في القرار العام.
وفي حال صعود الحية إلى رئاسة المكتب السياسي العام، سيصبح على الحركة اختيار رئيس جديد لوفدها المفاوض، لأن الحية يقود هذا الملف حاليًا. وتزداد أهمية هذه النقطة مع استمرار مسارات التفاوض حول الحرب والأسرى والترتيبات الإنسانية والسياسية المرتبطة بقطاع غزة.
وتضع هذه الترتيبات حماس أمام مرحلة دقيقة، لأن القيادة المقبلة ستجمع بين شرعية تنظيمية مؤقتة وضغوط ميدانية مفتوحة. فإذا تولى الحية المنصب، ستتأكد غلبة خيار غزة داخل الحركة، أما إذا عاد مشعل إلى الواجهة، فستحاول قيادة الخارج استعادة دور أكبر في تحديد اتجاهات القرار.
وفي النهاية، لا تبدو انتخابات حماس مجرد إجراء داخلي مؤجل، بل تبدو محاولة لإعادة بناء قيادة الحركة تحت النار. فالنتيجة المنتظرة ستحدد طبيعة الصوت السياسي الذي سيدير التفاوض، وموقع غزة داخل الحركة، وحدود تأثير الخارج في قرار تنظيمي يتشكل الآن وسط الحرب والاغتيالات والضغوط الإقليمية.

