كشفت مناقشة الحساب الختامي للهيئات العامة الاقتصادية عن العام المالي 2024/2025 داخل مجلس النواب في القاهرة أزمة أعمق من بند مالي عابر، لأن الحكومة تدير أصولا عامة ضخمة عبر هيئات خرجت من منطق الخدمة والإنتاج إلى منطق الفوائض الورقية والاستثمارات الضعيفة، فجاءت النتيجة في صورة خسائر متراكمة وتآكل في حقوق الملكية واعتماد متزايد على الاقتراض.
حذرت الوقائع المالية من أن المشكلة لا تقف عند هيئة خاسرة أو موازنة غير منضبطة، بل تمتد إلى نموذج حكم اقتصادي يوسع الإنفاق على الأصول والتشييدات ثم يعجز عن تشغيلها وصيانتها بكفاءة، بينما يدفع المواطن ثمن الفشل عبر ضرائب أعلى وخدمات أضعف ودين عام يلتهم موارد كان يجب أن تذهب إلى الصحة والتعليم والإنتاج.
فوائض خارج النشاط وخسائر داخل الدفاتر
في البداية، تكشف أزمة الهيئات الاقتصادية أن الحكومة تركت كيانات عامة تتحرك كجزر مالية منفصلة، فبعض الهيئات استثمرت فوائضها في أدوات مالية ضعيفة العائد بدلا من توجيهها إلى النشاط الأساسي الذي أنشئت من أجله، وهذا الانحراف حول المال العام من أداة تشغيل وخدمة إلى رصيد ساكن لا يعالج عجز الخدمات.
ثم يضع هذا الانحراف سؤال الإدارة قبل سؤال التمويل، لأن الهيئات التي تحقق فوائض مؤقتة من دون تحسين التشغيل لا تصنع كفاءة اقتصادية، بل تخفي خللا في توزيع الموارد، وتفتح الباب أمام خسائر في هيئات أخرى تستمر بسبب الدعم أو الاقتراض أو ترحيل الالتزامات إلى سنوات لاحقة.
كذلك تؤكد ملاحظات الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن خروج الصناديق الخاصة والهيئات الاقتصادية من قلب الموازنة العامة يضعف قدرة الرأي العام على فهم الصورة الكاملة للمال العام، لأن المواطن يرى عجز الخدمات والضرائب ولا يرى الشبكة الكاملة التي تتحرك فيها الموارد خارج الرقابة الشعبية المباشرة.
وبسبب ذلك تصبح مطالبة الحكومة بإدراج الهيئات ذات الطبيعة النقدية ضمن المؤشرات المالية المجمعة خطوة متأخرة لا تكفي وحدها، لأن بنك ناصر الاجتماعي والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي يرتبطان بحقوق مواطنين ومودعين ومستحقين، ولا يجوز أن تظهر أرقامهما في الهامش بينما تتحمل الأسر نتائج أي اضطراب مالي.
ومن هنا تتحول إعادة تقييم الاستثمارات القائمة إلى اختبار حقيقي للحكومة، لأن التخلص من الاستثمارات الخاسرة أو الضعيفة يجب أن يتم عبر إعلان واضح للمعايير والقيم والنتائج، لا عبر قرارات إدارية مغلقة تكرر تجربة إدارة الأصول بمنطق الصفقات بدلا من منطق الحساب العام.
موازنات تتغير بلا تنفيذ وأصول تكبر بلا تشغيل
بعد ذلك، تظهر أزمة إعداد الموازنات باعتبارها أحد أبواب الفشل المتكرر، لأن التعديلات المتلاحقة على بنود الموازنة من دون تنفيذ فعلي تكسر مصداقية الأرقام، وتجعل التخطيط الاقتصادي أقرب إلى تمرين محاسبي، بينما تحتاج الهيئات الاقتصادية إلى تقديرات واقعية تعكس قدرة التشغيل لا رغبة الحكومة في تحسين الصورة.
في السياق نفسه، سجلت الأصول الثابتة للدولة نحو 1.54 تريليون جنيه في 30 يونيو 2025، وهو رقم يكشف اتساع كتلة الإنفاق الاستثماري، لكنه لا يثبت وحده نجاحا اقتصاديا، لأن قيمة الأصل لا تعني شيئا للمواطن إذا بقي المبنى بلا تجهيز أو بقي المشروع بلا خدمة فعالة.
لذلك يفضح بند الصيانة جانب آخر من الخلل، إذ بلغت مخصصات الصيانة 22.2 مليار جنيه فقط في 2024/2025 بما يعادل 1.4% من إجمالي قيمة الأصول، وهذه النسبة تعني أن الحكومة توسع حيازة الأصول أسرع من قدرتها على الحفاظ عليها، فينشأ أصل جديد بينما يتدهور أصل قائم.
وعلى هذا الأساس، يصبح اختلال الهيكل الاستثماري دليلا ماديا على سوء الأولويات، لأن التشييدات والمباني غير السكنية استحوذت على 59.4% من إجمالي الأصول، بينما بقيت التجهيزات عند 4.1% فقط، وهذا التوزيع ينتج مستشفيات ومقار ومنشآت لا تمتلك معدات كافية لتقديم خدمة كاملة.
وفي هذا الموضع، يوضح الباحث الاقتصادي عمرو عادلي في كتاباته عن الاقتصاد السياسي المصري أن الخلل لا ينفصل عن طريقة إدارة الدولة للنشاط الاقتصادي، لأن توسع الأجهزة العامة في الملكية والمشروعات من دون مساءلة فعالة يضعف كفاءة التخصيص، ويدفع القطاع العام إلى منافسة غير منتجة بدلا من تقديم خدمة عامة واضحة.
هيكلة مؤجلة وقانون يفتح باب بيع الأصول
لاحقا، تعود خسائر بعض الهيئات إلى الواجهة باعتبارها نتيجة طبيعية لتأجيل الإصلاح لا سببا مفاجئا له، لأن الخسائر المتراكمة تلتهم حقوق الملكية وتضعف قدرة الهيئة على الاستمرار، ثم تستخدم الحكومة الأزمة نفسها لتبرير إعادة الهيكلة أو الدمج أو البيع بعد أن تكون القيمة العامة قد تراجعت.
في المقابل، يمكن أن يكون دمج الهيئات المتشابهة أداة لترشيد الإنفاق إذا سبقه نشر بيانات العمالة والأصول والديون والتعاقدات، لكن الدمج يتحول إلى غطاء لتصفية غير معلنة إذا جرى بلا ضمانات للحقوق وبلا رقابة مجتمعية، خصوصا عندما تتعامل الحكومة مع المال العام كملف إداري لا كملكية شعبية.
ومن زاوية الشركات التابعة، يفتح القانون رقم 170 لسنة 2025 بابا واسعا لإعادة تنظيم ملكية الدولة في الشركات المملوكة لها أو التي تساهم فيها، وتقول الحكومة إن الهدف هو الحوكمة وتعزيز دور القطاع الخاص، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الحوكمة إلى مسار سريع لنقل الأصول بعيدا عن رقابة الناس.
إلى جانب ذلك، حذر زياد بهاء الدين في نقاشات سابقة حول بيع أصول الدولة من مشكلات التوقيت والتقييم وغياب البرنامج الموحد الواضح، وهذه الملاحظات تضرب قلب الأزمة الحالية، لأن بيع أصل عام في لحظة ضائقة مالية يمنح الحكومة سيولة مؤقتة لكنه قد يحرم الخزانة من قيمة أكبر في وقت أفضل.
وفي النهاية، لا تحتاج الحكومة إلى خطابات جديدة عن كفاءة إدارة أصول الدولة، بل تحتاج إلى كشف حساب منشور ومفهوم عن كل هيئة خاسرة وكل أصل غير مستغل وكل شركة تابعة مرشحة للبيع أو الدمج، لأن المال العام لا ينقذه بيان برلماني ولا توصية حكومية، بل تنقذه شفافية ملزمة ومحاسبة فعلية توقف تحويل الخسائر إلى فاتورة يدفعها المواطن.

