كشفت قناة الحرة الأمريكية أن تكرار سيناريو إسقاط ديون مصر بعد حرب الخليج عام 1991 يبدو مستبعدًا في 2026، رغم دعوات إعلاميين مصريين لإعفاء القاهرة من الديون، وجاءت النتيجة لتضع الحكومة أمام أزمة سداد تتجاوز حدود الدعاية وتصل إلى 50.8 مليار دولار مستحقة بين يناير وسبتمبر 2026.

 

وربط الجدل الحالي بين أزمة الديون المصرية وبين مسار سياسي واقتصادي حمّل المواطنين كلفة الاقتراض المتوسع، لأن خدمة الدين استحوذت على نحو 50.2% من إنفاق الحكومة في موازنة 2025-2026، بينما تراجع الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية خلافًا لما وعد به دستور 2014.

 

سيناريو 1991 لا يعود مع ديون تغير أصحابها وشروطها

 

في البداية، استندت دعوات إسقاط الديون إلى واقعة تاريخية حدثت بعد مشاركة مصر في التحالف الدولي ضد عراق صدام حسين، حيث أعفت الولايات المتحدة القاهرة من ديون عسكرية بلغت 7.1 مليار دولار عام 1991، وقدمت دول خليجية شطبًا لديون بنحو 6 مليارات دولار.

 

بعد ذلك، قرر نادي باريس إعفاء مصر تدريجيًا من نصف ديونها التي تجاوزت 20 مليار دولار، وكان القرار مرتبطًا بموقع سياسي محدد بعد حرب الخليج الثانية، لذلك استخدم إعلاميون هذا المثال للدفاع عن طلب جديد يخفف الضغط عن الاقتصاد المصري في المرحلة الراهنة.

 

لكن قناة الحرة استبعدت تكرار السيناريو نفسه، لأن الظرف الدولي تغير، ولأن القاهرة لم تعد تتحرك داخل معادلة مشابهة لحرب الخليج، كما أن طلب وزير الخارجية بدر عبد العاطي من نظيره الأمريكي ماركو روبيو دعمًا ماليًا عاجلًا في نهاية مارس لم يفتح باب إعفاء شامل.

 

وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة شيرين الشواربي، عميدة كلية السياسة والاقتصاد وإدارة الأعمال في جامعة مايو، إن الدين الخارجي أصبح عبئًا حقيقيًا على الاقتصاد، لأن البيانات تشير إلى تجاوزه 163 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بعدما كان 46 مليار دولار فقط في 2013-2014.

 

لذلك، يعكس هذا الرقم نتيجة مباشرة لسياسة توسع في الاقتراض لم تقدم شفافية كافية للرأي العام حول كلفة السداد، فالحكومة استخدمت الديون في تمويل نموذج إنفاق مكلف، ثم عادت لتطلب دعمًا عاجلًا عندما ضغطت الأزمات الإقليمية على موارد النقد الأجنبي.

 

خدمة الدين تضرب الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية

 

من ناحية الموازنة، بلغت تكاليف خدمة الدين نحو 50.2% من إنفاق الحكومة في موازنة 2025-2026، وهو رقم يضع الإنفاق العام تحت سيطرة الدائنين قبل أن يصل إلى المواطنين، ولذلك تراجعت مخصصات الصحة والتعليم كنسبة من الناتج المحلي مقارنة بنصوص دستور 2014.

 

وبسبب هذا الضغط، لم تلتزم الحكومة بإنفاق 4% من الناتج القومي الإجمالي على التعليم و3% على الصحة، كما تضررت برامج الحماية الاجتماعية، ثم ارتفعت نسب الفقر إلى 32.5% في 2019-2020 وفق آخر بيانات رسمية قبل توقف نشر تقرير الدخل والإنفاق.

 

في المقابل، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في بداية العام أن الحكومة تعمل مع البنك المركزي على خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى أدنى مستوى منذ 50 عامًا، ثم أوضح لاحقًا أن الحديث يخص النسبة لا الرقم الإجمالي للديون، من دون إعلان مسار واضح للسداد.

 

وعلى صعيد الاستحقاقات، تحتاج الحكومة بين يناير وسبتمبر 2026 إلى سداد ديون خارجية تقدر بـ50.8 مليار دولار، ويشمل ذلك بعض الودائع لدى البنك المركزي، ولذلك تبدو وعود خفض نسبة الدين منفصلة عن جدول سداد شديد القسوة يضغط على العملة والموازنة.

 

ومن زاوية أكثر تفصيلًا، شرح الدكتور بيار الخوري، مدير مركز السياسات والاستشراف المعرفي في لبنان، أن خريطة الدائنين تضم مؤسسات مالية دولية ومتعددة الأطراف ودولًا عربية ودول نادي باريس والصين، وهي خريطة تجعل التفاوض معقدًا سياسيًا وماليًا.

 

الإعفاء الشامل يتراجع والبدائل تكشف استمرار الارتهان

 

بناء على تركيبة الدين الحالية، ترى شيرين الشواربي أن إسقاط المديونية في التسعينيات تم عبر دائنين من دول ومؤسسات دولية، بينما أصبح الجزء الأكبر من الديون الحالية في صورة سندات وأذون خزانة يمتلكها مستثمرون متنوعون من شركات ومؤسسات مالية.

 

ولهذا السبب، لا تستطيع الحكومة انتظار قرار سياسي واحد يمحو الدين، لأن الديون الثنائية للدول لم تعد تهيمن كما كانت بعد حرب الخليج، وتشير الشواربي إلى أن نسبة ديون مصر للدول تتراوح تقريبًا بين 13% و20% من إجمالي الدين الخارجي.

 

ثم أوضحت الشواربي أن واشنطن قد تضغط في اتجاه إعادة الجدولة إذا خدم ذلك مصالحها، لكن الديون المرتبطة بصندوق النقد الدولي لا تتجاوز نحو 12 مليار دولار من الإجمالي، ولا يستطيع الصندوق إعادة الهيكلة إلا داخل حزمة إصلاحات جديدة تكون غالبًا انكماشية.

 

وفي الاتجاه نفسه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس إن تركيبة الدين الخارجي المصري تختلف جذريًا عن وضعها بعد حرب الخليج، لأن إسقاط الديون يرتبط أساسًا بالديون الثنائية المستحقة لدول بعينها، بينما شكلت هذه الديون وقتها نحو 60% من الدين الخارجي.

 

على الجانب الذي تعرضه المؤسسات الدولية كتحسن، يسجل الاقتصاد نموًا بنحو 4.4% في السنة المالية 2024-2025، وتراجع التضخم إلى 11.9% في يناير 2026، وتحقيق فائض أولي بلغ 3.5% من الناتج المحلي في 2024-2025 وفق بيانات صندوق النقد الدولي.

 

غير أن هذه المؤشرات لا تلغي جوهر الأزمة، لأن الفائض الأولي يعني أن الحكومة تعصر الإنفاق قبل فوائد الدين، بينما يبقى المواطن تحت ضغط أسعار وخدمات عامة متراجعة، وتستمر الدولة في الاقتراض لسداد التزامات قائمة بدل وقف دورة الاستدانة من أصلها.

 

كذلك تؤكد الشواربي أن مصر تلتزم بسداد ديونها حتى مع الظروف الاقتصادية العالمية التي تضغط على تدفقات النقد الأجنبي، لكن هذا الالتزام يدفعها أحيانًا إلى اقتراض جديد لسداد التزامات قديمة، وهو ما يحول إدارة الدين إلى دائرة إحلال لا إلى معالجة حقيقية.

 

وفي تقدير الخوري، يعتمد الاستقرار المالي لمصر على استمرار الدعم الخليجي وثقة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلي التي تقارب 30 مليار دولار وتجنب صدمات خارجية جديدة، وهذا التقدير يكشف أن الحكومة لم تصنع أمانًا ماليًا داخليًا كافيًا.

 

أما البديل الواقعي الذي يطرحه الخوري فيتمثل في مبادلة صامتة عبر تحويل ودائع خليجية إلى استثمارات مباشرة على غرار مشروع رأس الحكمة، أو استخدام أدوات البنك الدولي لتحويل ديون بالعملة الأجنبية إلى عملة محلية أو أدوات دين أقل مخاطرة كما حدث في دول أخرى.

 

في النهاية، تكشف أزمة ديون مصر أن الحكومة تبيع للرأي العام أمل الإعفاء بينما يعرف الخبراء أن باب 1991 أغلق سياسيًا وماليًا، ولذلك يبقى المواطن أمام فاتورة صنعها الاقتراض وسوء ترتيب الأولويات، وتبقى السلطة أمام سؤال واضح عن من دفع البلد إلى هذا الحجم من السداد.