حذّر البنك الدولي في تقرير آفاق أسواق السلع الأولية الصادر في أبريل 2026 من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يرفع سعر النفط إلى ما بين 95 و115 دولارًا للبرميل خلال 2026، ويقود أسواق الطاقة والغذاء والأسمدة إلى اضطراب حاد يضرب الاقتصادات النامية والفئات الأكثر فقرًا.

 

ويضع هذا التحذير مصر أمام تكلفة مباشرة، لأن الحكومة تستورد جانبًا رئيسيًا من احتياجات الطاقة والقمح، بينما تعتمد على الاقتراض والدولار لتغطية الفجوات، ولذلك تتحول صدمة النفط والغذاء إلى ضغط على الموازنة وسعر الصرف والأسعار، ويدفع الفقراء ثمن سياسة لم تبن أمانًا اقتصاديًا.

 

النفط والغاز يقودان صدمة عالمية تضغط على المستوردين

 

بحسب تقرير البنك الدولي، تمر أسواق السلع الأولية بإحدى أعنف الصدمات خلال العقود الأخيرة، بعد تراجع الإمدادات واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع التوترات الجيوسياسية، وهو ما جعل الطاقة والغذاء والأسمدة في دائرة ضغط واحدة خلال عام 2026.

 

وعلى مستوى النفط، ذكر التقرير أن الإمدادات العالمية تراجعت بنحو 10 ملايين برميل يوميًا في مارس، ووصف البنك الدولي هذا التراجع بأنه أكبر صدمة في تاريخ سوق النفط، لأن هذا الحجم من الفقد لا يظل داخل السوق بل ينتقل سريعًا إلى الأسعار.

 

وبعد تراجع الإمدادات، ارتفع خام برنت من نحو 72 دولارًا في فبراير إلى 118 دولارًا بنهاية مارس، ثم تراجع نسبيًا مع بقاء السعر أعلى بنحو 50% مقارنة ببداية العام، ولذلك لم تنته الصدمة بمجرد انخفاض جزئي في السعر.

 

وفي سوق الغاز، سجلت الأسعار زيادات حادة بلغت 94% في آسيا و59% في أوروبا، نتيجة المنافسة العالمية على الإمدادات بعد تراجع الإنتاج في مناطق متأثرة بالأزمة، وهو ما يرفع تكلفة الطاقة على الدول المستوردة ويضغط على الصناعات والنقل والكهرباء.

 

وفي تقدير الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، ترتبط فاتورة الواردات العربية والمصرية مباشرة بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًا، لأن الدول المستوردة لا تملك هامشًا واسعًا أمام موجات السعر الخارجية، لذلك يظهر أثر النفط والقمح في الميزان التجاري وفي سعر العملة.

 

الغذاء والأسمدة ينقلان الأزمة إلى موائد الفقراء

 

بالتوازي مع صدمة الطاقة، توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار السلع العالمية بنحو 16% خلال 2026، مدفوعة بزيادة أسعار الطاقة بنسبة 24%، وهو مسار يربط بين تكلفة الوقود وتكلفة الإنتاج والنقل والاستيراد في حلقة تضخم واحدة.

 

ورغم أن أسعار الغذاء قد تسجل زيادة محدودة في المتوسط، فإن التقرير أشار إلى ضغوط أشد في الزيوت النباتية والأسمدة، حيث قفزت أسعار الأسمدة بنسبة 31%، وهذا الارتفاع يهدد الإنتاج الزراعي عالميًا لأنه يزيد تكلفة الزراعة قبل وصول الغذاء إلى الأسواق.

 

وبسبب ارتفاع الأسمدة، تواجه الدول الفقيرة والمستوردة خطرين متزامنين، إذ ترتفع تكلفة المحاصيل المحلية وتتزايد فاتورة استيراد الغذاء، ولذلك لا يبقى أثر الأزمة محصورًا في البورصات العالمية بل يصل إلى أسعار الخبز والزيت والخضروات والبقول.

 

كما حذر البنك الدولي من أن الفقراء سيكونون الأكثر تضررًا، لأن إنفاقهم اليومي يعتمد أساسًا على الغذاء والوقود، بينما لا تملك الأسر منخفضة الدخل قدرة كافية على امتصاص زيادة الأسعار أو تأجيل الاستهلاك الضروري حتى تمر الأزمة.

 

وفي السياق نفسه، حذر التقرير من احتمال دخول نحو 45 مليون شخص إضافي في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال العام الجاري إذا استمرت الاضطرابات، وهو رقم يوضح أن أزمة السلع ليست أزمة أسعار فقط بل أزمة قدرة على الحصول على الطعام.

 

ومن زاوية اجتماعية، تؤكد أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة هبة الليثي في مواقفها البحثية أن قياس الفقر النقدي ضروري لفهم أثر الغلاء على الأسر، لأن الاكتفاء بمؤشرات بديلة يخفي جانبًا من واقع الدخل والإنفاق، خصوصًا عند ارتفاع الغذاء والطاقة.

 

مصر أمام ضغط الدولار والدعم والأسعار المحلية

 

بالنسبة لمصر، يؤدي ارتفاع النفط عالميًا إلى زيادة فاتورة استيراد الوقود والغاز والقمح، لأن الدولة تعتمد على الخارج في جانب مهم من احتياجاتها، ولذلك ينتقل ارتفاع السعر العالمي إلى طلب أكبر على الدولار وضغط إضافي على سعر الصرف.

 

وعند زيادة الضغط على الدولار، تتأثر الأسعار المحلية عبر مسارين واضحين، أولهما ارتفاع تكلفة الاستيراد المباشر، وثانيهما زيادة تكلفة النقل والإنتاج المحلي، لذلك يدفع المواطن ثمن النفط مرة في الوقود ومرة أخرى في الغذاء والسلع والخدمات.

 

ثم تضغط زيادة الطاقة على الموازنة العامة، لأن بنود دعم الوقود والكهرباء والنقل تحتاج تمويلًا أكبر مع ارتفاع السعر العالمي، لكن الحكومة التي أغرقت الموازنة في الديون قد تلجأ إلى خفض الدعم أو توسيع الاقتراض بدل حماية الفئات الأضعف.

 

وفي هذا الملف، يرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن زيادة أسعار المنتجات البترولية تنعكس على أسعار المجموعات السلعية في السوق، وتؤدي إلى هبوط المستوى المعيشي للمواطنين، لأن محدودي الدخل يتحملون العبء الأكبر في كل موجة غلاء جديدة.

 

كذلك تنعكس موجة التضخم العالمية على أسعار الغذاء داخل مصر، سواء عبر القمح والزيوت أو عبر تكاليف الأسمدة والطاقة والنقل، وهذا الأثر يصبح أشد على الشرائح منخفضة ومتوسطة الدخل لأنها تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء والطاقة.

 

ورغم أن مصر قد تستفيد جزئيًا من ارتفاع تحويلات العاملين بالخارج أو زيادة تدفقات محدودة في قطاعات الطاقة، فإن هذه المكاسب لا تعادل تكلفة الاستيراد والتضخم المحتمل، لأن الدولة تحتاج الدولار بسرعة بينما تأتي عوائد الاستثمار والتحويلات بدرجات غير مضمونة.

 

لهذا السبب، يكشف تحذير البنك الدولي أن الحكومة المصرية لا تواجه أزمة خارجية منفصلة عن سياساتها، بل تواجه نتيجة مباشرة لاعتمادها على الاستيراد والاقتراض ورفع الأعباء عن نفسها باتجاه المواطن، ولذلك قد تتحول صدمة الشرق الأوسط إلى موجة غلاء محلية جديدة.

 

في النهاية، يضع تقرير البنك الدولي عام 2026 أمام معادلة قاسية بالنسبة لمصر، فكل برميل نفط أغلى يعني دولارًا أصعب وسلعة أغلى ودعمًا مهددًا، بينما تبقى الحكومة مسؤولة عن ترك الفقراء بلا حماية كافية في اقتصاد مكشوف أمام الطاقة والغذاء والدين.