أعادت تصريحات محمود محيي الدين ملف ديون مصر إلى واجهة النقاش العام بعد سنوات من إنفاق حكومي واسع جعل خدمة الدين أكبر من قدرة الموازنة على حماية التعليم والصحة.

 

تكشف الأزمة أن الحكومة لم تدفع ثمن الاستدانة من رفاهية زائدة بل خصمتها من الاستثمار في البشر ومن الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن يوميا.

 

خدمة الدين تتقدم على الاستثمار في البشر

 

في البداية وضع الدكتور محمود محيي الدين المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة الأزمة في موضعها المباشر عندما قال إن قلقه لا يتعلق بعدد البشر في مصر بل يتعلق بمدى الاستثمار في البشر داخل دولة تتوسع في خدمة الدين على حساب التعليم والصحة.

 

وبعد ذلك أوضح محيي الدين خلال حديثه في برنامج الحكاية مع عمرو أديب أن الموازنة العامة تقدم مؤشرا واضحا على الخلل لأنها تكشف نصيب التعليم والرعاية الصحية مجتمعين مقارنة بما تنفقه الدولة على خدمة الدين وهذا المؤشر يضع الحكومة أمام أولوية لا يمكن تجميلها.

 

ثم استخدم محيي الدين عبارة حادة عندما قال إن الدولة تأكل من اللحم الحي للتعليم والرعاية الصحية كي تلبي خدمة الدين وهذا الوصف يلخص نتيجة سياسات اقتراض طويلة جعلت الإنفاق على الإنسان بندا قابلا للضغط بينما ظل سداد الديون أولوية مطلقة.

 

وبسبب هذه المعادلة لم تعد المشكلة في انتظام مصر في السداد فقط لأن محيي الدين أكد أن مصر لم تتخلف عن سداد مديونياتها داخليا أو خارجيا لكنه ربط هذا الفخر بسؤال أكبر عن الثمن الاجتماعي الذي تدفعه الخدمات الأساسية كل عام.

 

ومن هنا أشار محيي الدين إلى أن آخر مرة تخلفت فيها مصر عن السداد انتهت باحتلال البلاد في 1882 لكنه لم يستخدم هذه الإشارة لتبرير استمرار الاقتراض بل استخدمها للتنبيه إلى أن السداد لا يجب أن يتحول إلى سياسة تستنزف التعليم والصحة.

 

الاستدانة بعد 2013 تحولت من حل مؤقت إلى سياسة مستمرة

 

بعد ذلك انتقل النقاش إلى سؤال الاستدانة منذ 2013 عندما سأل عمرو أديب عما إذا كانت الدولة تستطيع التحرك بدرجة أقل في الاقتراض حتى لا تصل الديون إلى 164 مليار دولار بدل حدود 90 أو 100 مليار دولار.

 

وعلى هذا السؤال قال محيي الدين إن اللجوء إلى الاستثمارات العامة المباشرة عبر الاقتراض كان واردا في السنوات الأربع أو الخمس الأولى بعد الثورتين بسبب تردد الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي وحاجة الدولة إلى تحريك النشاط الاقتصادي في فترة اضطراب.

 

لكن محيي الدين وضع فاصلا واضحا عندما قال إن هذا الخط لم يعد مقبولا بعد اقتناع المستثمرين بأن مصر دولة مستقرة وآمنة وتملك فرص نمو لأن استمرار الحكومة في قيادة الاقتصاد بالقروض بعد زوال المبرر الأول يعني أن السياسة المؤقتة تحولت إلى نمط دائم.

 

وفي السياق نفسه حذر الخبير الاقتصادي محمد فؤاد من التركيز على انخفاض ديون أجهزة الموازنة العامة بينما تتزايد أعباء أخرى خارجها لأن العبء الاقتصادي في النهاية يتحمله الاقتصاد كله ولا يتحمله دفتر محاسبي منفصل عن معيشة الناس والخدمات العامة.

 

ولذلك تكشف أرقام الدين الخارجي والإنفاق العام أن الحكومة تعاملت مع الاقتراض كأداة سهلة لتعويض ضعف الإنتاج والاستثمار الخاص بينما تحمل المواطن النتيجة في صورة تضخم ورسوم وضرائب وضغط على الخدمات وخفض فعلي في قيمة الإنفاق الاجتماعي.

 

كما أن هذا المسار جعل الحديث الرسمي عن الإصلاح الاقتصادي بلا أثر مباشر على الأسرة المصرية لأن المواطن لا يرى الإصلاح في مدرسة أفضل أو مستشفى أكثر قدرة بل يراه في ارتفاع أسعار وخدمات أقل جودة وخطاب حكومي يطالب الناس بالصبر.

 

خط أحمر للديون قبل أن تسقط الخدمات الأساسية

 

ثم جاءت دعوة محيي الدين إلى جر خط للاستدانة باعتبارها رسالة مباشرة للحكومة التي سمعت التحذير نفسه في المؤتمر الاقتصادي لعام 2022 ثم واصلت الاعتماد على المسار ذاته حتى وصلت الأزمة إلى نقاط حرجة بحسب تعبيره.

 

وبناء على ذلك تصبح مراجعة سياسة الدين ضرورة عاجلة وليست اختيارا مؤجلا لأن استمرار خدمة الدين في ابتلاع الموازنة يعني أن كل زيادة شكلية في التعليم والصحة ستظل أقل من الاحتياج الفعلي وأقل من الالتزامات الدستورية وأقل من ضغط السكان.

 

وفي هذا الإطار تقول الباحثة الاقتصادية سلمى حسين إن قراءة الإنفاق العام يجب أن تنظر إلى الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة باعتبارها حقوقا لا بنودا هامشية لأن السياسات الاقتصادية التي تضغط هذه البنود تنقل كلفة الأزمة إلى الأسر الأضعف.

 

لذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تحافظ على السداد أو تحقق فائضا أوليا لأن الفائض الذي ينتج عن ضغط الخدمات الأساسية لا يمثل نجاحا اجتماعيا بل يمثل تحويلا منظما للعبء من الموازنة إلى جيوب المواطنين ومن الدولة إلى الأسرة.

 

كما أن الاستثمار في البشر لا يبدأ بخطاب سكاني يلوم عدد المواطنين بل يبدأ بميزانية واضحة ترفع جودة المدرسة والمستشفى وتوفر تغذية ورعاية وتدريبا وتمنع تحول الدين إلى أولوية أعلى من مستقبل الأطفال والشباب وسوق العمل.

 

وفي النهاية تكشف تصريحات محمود محيي الدين أن أزمة ديون مصر لم تعد رقما فنيا في بيانات مالية بل أصبحت سؤالا سياسيا واجتماعيا عن حكومة اختارت الاقتراض طويلا ثم طلبت من التعليم والصحة والمواطنين دفع الفاتورة.