تواجه قرية بني خالد التابعة لمركز سمالوط في محافظة المنيا أزمة بيئية وصحية تكشف فشلًا رقابيًا واضحًا، بعد أن تحولت انبعاثات مصانع الأسمنت والجرانيت إلى تهديد يومي للبيوت والمدارس والمساجد.

 

وتضع استغاثات الأهالي الحكومة أمام مسؤوليتها المباشرة، لأن السكان لا يطلبون رفاهية، بل يطالبون بهواء صالح للتنفس، وبإجراءات رقابية تمنع المصانع من تحويل القرية إلى منطقة تلوث دائم.

 

مدرسة تختنق بالغبار وطلاب يدفعون ثمن غياب الرقابة

 

بدأت الأزمة في بني خالد من محيط سكني يلاصق مصانع الأسمنت والجرانيت، حيث تتصاعد الأدخنة السوداء والانبعاثات الغازية من المداخن، وتتحرك طبقات الغبار نحو البيوت والمدارس والمساجد، في مشهد يضع آلاف المواطنين أمام خطر صحي مستمر خلال أبريل 2026.

 

وبحسب شهادات الأهالي، تحولت سماء القرية إلى مساحة ممتلئة بغبار الجير والرماد، ولم تعد الأزمة مرتبطة بروائح عابرة أو ساعات تشغيل محدودة، لأن السكان يؤكدون أن الجزيئات الدقيقة تدخل المنازل وتستقر على الأثاث والملابس والأدوات اليومية.

 

ثم ظهر أثر التلوث داخل المدرسة الإعدادية في القرية، حيث تغطي جزيئات الغبار الدقيقة المقاعد ووجوه الطلاب وكراريسهم، ويؤكد الأهالي أن العملية التعليمية تعثرت بسبب نوبات السعال وضيق التنفس التي أصابت عشرات الطلاب والمعلمين داخل الفصول.

 

وتتسع المسؤولية هنا لأن المدرسة يفترض أن تكون بيئة آمنة، لا نقطة تعرض يومي للانبعاثات، وقد أوضحت منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء المحيط يضم ملوثات تضر بالصحة، وأن الجسيمات الدقيقة ترتبط بأمراض خطيرة في القلب والجهاز التنفسي.

 

وفي السياق الصحي نفسه، يكتسب رأي الدكتور محمد عوض تاج الدين أهمية مباشرة، لأنه أستاذ أمراض صدرية ووزير صحة أسبق، وقد حذر في سياقات تلوث الهواء من زيادة أزمات الربو وحساسية الصدر وصعوبات التنفس، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

 

وبسبب هذه المخاطر، يصبح استمرار الدراسة وسط غبار المصانع إدانة إدارية قبل أن يكون أزمة بيئية، لأن وزارة البيئة ومحافظة المنيا ووزارة التعليم تملك أدوات الفحص والإغلاق والتحويل، لكنها تترك الطلاب والمعلمين في مواجهة يومية مع انبعاثات قابلة للقياس والمحاسبة.

 

شاحنات المخلفات تنفخ الغبار داخل البيوت وتكشف غياب التفتيش الجاد

 

بعد ذلك، نقل الأهالي جانبًا آخر من الأزمة، حيث رصدت الكاميرات والشهادات قيام سيارات نقل ومقطورات بتفريغ ونفخ مخلفات التصنيع في الهواء الطلق، من دون رادع فعلي، وهو ما يفسر انتشار السحابة الثقيلة بين الشوارع والغرف المغلقة.

 

ونتيجة لذلك، ظهرت آثار التلوث على أجساد السكان وداخل بيوتهم، إذ أظهرت الصور تلوث أيدي بعض الأهالي باللون الأسود داخل المنازل، كما ظهرت مناديل ورقية مغطاة بالرماد، وهي مؤشرات مادية على أن الغبار لا يبقى خارج الكتلة السكنية.

 

ثم امتدت الأزمة إلى الأطفال الذين صاروا يتجنبون اللعب في الشوارع بسبب الاختناق والخوف من الغبار، وهنا لا يتعلق الضرر بنوبة سعال عابرة، لأن التلوث غيّر نمط حياة الأطفال وحاصر حركتهم اليومية في قرية يفترض أنها مأهولة وليست منطقة صناعية مغلقة.

 

وتوضح وزارة البيئة المصرية أن الشبكة القومية لرصد الانبعاثات الصناعية بدأت منذ نهاية عام 1998 لمتابعة الانبعاثات الصادرة من مصانع الأسمنت إلكترونيًا، والتأكد من توافق الأتربة العالقة مع الحدود القانونية بسبب أثرها البالغ على الصحة العامة.

 

ومع ذلك، تكشف روايات الأهالي عن فجوة بين وجود منظومة الرصد وبين أثرها على الأرض، لأن المصانع، وفق الشهادات، لا تلتزم بتركيب الفلاتر إلا وقت مرور لجان التفتيش، وهذا يعني أن المشكلة ليست نقص نصوص قانونية فقط، بل غياب رقابة مفاجئة وحقيقية.

 

وفي هذا الإطار، تبرز خبرة الدكتورة ليلى إسكندر، وزيرة البيئة السابقة، لأنها ربطت مرارًا بين إدارة المخلفات وحماية الصحة العامة وسلامة المواطنين، كما أكدت أهمية تنظيم الأنشطة الملوثة وتوجيه المخلفات إلى أماكن معالجة مناسبة بدل تركها داخل النطاقات السكنية.

 

وبناء على ذلك، تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن التفتيش المعلن الذي لا يردع المخالفات، لأن المصنع الذي يضبط أداءه عند حضور اللجنة ثم يعود للتلوث بعدها لا يواجه دولة تراقب، بل يواجه زيارة إدارية يمكن الاستعداد لها مسبقًا.

 

محاصيل مغطاة بالجير ومخاوف على النيل وحق السكان في الهواء

 

ثم انتقل ضرر الغبار من صدور السكان إلى أراضيهم الزراعية، حيث غطت طبقات الغبار الأبيض أوراق الأشجار والمحاصيل، وأكد الأهالي أن هذا التراكم أضر بقدرة النباتات على النمو، وخفض إنتاجية الأرض التي تمثل مصدر رزق رئيسي لأسر كثيرة في بني خالد.

 

وبسبب هذا الانتشار، يخشى الأهالي من تلوث المحاصيل بالمواد الكيميائية والغبار الصناعي، كما يخشون من قرب بعض المصانع من مجرى نهر النيل، لأن أي تسرب للمخلفات الصناعية يمكن أن يفتح أزمة أشد تتصل بالمياه والثروة السمكية وجودة الشرب.

 

وتزيد خطورة هذه المخاوف لأن قانون البيئة المصري يتضمن حدودًا قصوى لملوثات الهواء الخارجي وحدودًا مسموحًا بها للانبعاثات، وهذا يعني أن الدولة لا تفتقر إلى النصوص، لكنها تخفق عندما تترك الأهالي يجمعون الأدلة بأنفسهم بدل أن تنشر قياسات رسمية مستمرة.

 

وفي هذا السياق، يشير مسار الدكتور مصطفى حسين كامل، وزير البيئة الأسبق وأستاذ العلوم بجامعة القاهرة، إلى أهمية القياسات الحقلية والدراسات البيئية المتقدمة في التعامل مع التلوث، لأن أي قرار جاد يحتاج بيانات منشورة تقيس الهواء والتربة والمياه قرب المصانع.

 

لذلك طالب أهالي بني خالد وزارة البيئة والجهات الرقابية بتفعيل أجهزة قياس التلوث بشكل دائم وغير معلن، وإلزام المصانع بتركيب فلاتر ذكية وتطوير منظومة التخلص من غبار الباي باص، بدل الاكتفاء بتعهدات لا يلمس السكان نتائجها.

 

كما أكد الأهالي أنهم لا يطالبون بإغلاق الصناعة، بل يطالبون بحقهم الدستوري في هواء نقي، وبنقل المصانع بعيدًا عن الكتلة السكنية، لأن التنمية التي تضع الربح فوق صحة البشر تتحول إلى عبء على السكان وعلى الدولة نفسها.

 

وفي النهاية، تضع كارثة بني خالد الحكومة أمام اختبار واضح، فإما أن تنشر قياسات فورية للهواء والتربة والمياه وتعلن نتائج التفتيش وتلزم المصانع بالفلاتر ونقل الأنشطة الخطرة، وإما أن تعترف عمليًا بأن صحة القرى أرخص من أرباح المصانع.