تدخل الصناعة المصرية الربع الأول من عام 2026 تحت ضغط مباشر صنعته سياسات الحكومة قبل أن تصنعه الأسواق، إذ ارتفعت تكلفة الإنتاج في بعض القطاعات إلى ما بين 25% و35%، بينما انتقلت الزيادة إلى أسعار السلع وأضعفت قدرة المصانع على الحفاظ على الطلب المحلي والتصدير.

 

وتكشف الأزمة أن شعار التوسع الصناعي يصطدم بواقع مختلف، لأن المصنع المصري يدفع ثمن الدولار والطاقة والوقود والرسوم الوقائية ومدخلات الإنتاج المستوردة، ثم تواجهه حكومة تتحدث عن رفع مساهمة الصناعة إلى 20% من الناتج المحلي بحلول عام 2030 من دون معالجة جذر التكلفة.

 

الدولار والطاقة يدفعان المصانع إلى رفع الأسعار

 

في بداية الأزمة، شكل سعر الدولار عامل ضغط مباشر على المصانع التي تعتمد على خامات ومستلزمات إنتاج مستوردة، لأن كل تحرك في سعر الصرف ينتقل سريعًا إلى تكلفة الشراء والنقل والتسعير، ولذلك لم تعد المشكلة مجرد تقلب نقدي بل أصبحت عبئًا يوميًا على خطوط الإنتاج.

 

ومع ذلك الضغط، رفعت الحكومة أسعار الوقود والسولار وغاز السيارات بنسب مؤثرة خلال أبريل 2026، إذ وصل ارتفاع السولار إلى 17.4%، بينما ارتفع غاز السيارات بنحو 30%، وهو ما زاد كلفة النقل والتشغيل على المصانع بدل أن يحميها من موجة الغلاء.

 

وبسبب تزامن الدولار والطاقة، قالت تقديرات قطاعية إن أسعار بعض المنتجات النهائية ارتفعت بنحو 10% إلى 12%، خصوصًا في الأجهزة المنزلية والسلع التي يدخل فيها المعدن والنقل والطاقة، وهو انتقال مباشر من قرارات التكلفة إلى جيب المستهلك بلا حاجز حقيقي.

 

وفي قراءة هذا المسار، قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن الحرب الإقليمية تضيف خسائر كبيرة على الاقتصاد المصري وتثقل الموازنة، غير أن هذه الخسائر تظهر داخل الصناعة عبر الدولار والطاقة والتمويل، لأن الحكومة لا تفصل بين إدارة الأزمة الخارجية وسياسات تحميل السوق المحلي الفاتورة.

 

انكماش الطلب يحاصر المصانع الصغيرة والمتوسطة

 

ثم ظهر أثر ارتفاع التكلفة في مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي، إذ هبط المؤشر إلى 48 نقطة في مارس 2026 مقابل 48.9 نقطة في فبراير، ليسجل أدنى مستوى منذ أبريل 2024 ويبقى دون مستوى 50 الذي يفصل بين التوسع والانكماش.

 

وبعد هبوط المؤشر، لم تعد أزمة الصناعة محصورة في تكلفة الإنتاج وحدها، لأن الشركات واجهت تراجعًا في الإنتاج والطلبات الجديدة معًا، بينما ضغطت الأسعار المرتفعة على القدرة الشرائية داخل السوق، وهو ما جعل المصنع الصغير والمتوسط يدفع ثمن التكلفة من جانب والطلب الضعيف من جانب آخر.

 

وفي تعليق ديفيد أوين، الخبير الاقتصادي في ستاندرد آند بورز جلوبال، أشار إلى أن الحرب في المنطقة أضعفت الطلب ورفعت ضغوط الأسعار، كما سجلت تكاليف المدخلات أسرع وتيرة ارتفاع في 18 شهرًا، وكانت شركات التصنيع الأكثر تضررًا من موجة الزيادات.

 

وبناء على ذلك، تحولت زيادة الأسعار إلى سبب جديد للانكماش، لأن المستهلك قلل الشراء تحت ضغط الغلاء، والمصنع خفض قدرته على المناورة تحت ضغط التكلفة، والدولة اكتفت بإعلان أهداف صناعية كبيرة من دون توفير بيئة تشغيل تخفض الطاقة والتمويل ومدخلات الإنتاج.

 

الرسوم الوقائية والصادرات تكشفان تناقض خطاب الصناعة

 

وفي أبريل 2026، أقرت الحكومة رسومًا وقائية نهائية على واردات البيليت والصاج لمدة 3 سنوات، وبلغت الرسوم على البيليت 13.12% بحد أدنى 70 دولارًا للطن، كما وصلت رسوم بعض أنواع الصاج إلى 14.5% بحد أدنى 122 دولارًا للطن.

 

وبسبب أهمية هذه المدخلات، تدخل مسطحات الصلب والصاج في صناعات هندسية متعددة مثل معدات الحفر والمواسير والبراميل والأسطوانات ومكونات السيارات والسفن والأجهزة المنزلية، ولذلك تؤدي الرسوم الوقائية إلى رفع تكلفة سلسلة واسعة من المنتجات بدل أن تبقى محصورة في قطاع واحد.

 

ثم تصبح حماية المنتج المحلي ذريعة ناقصة عندما يدفع مصنع آخر تكلفة أعلى على مدخلات لا يستطيع إنتاج بديلها بسرعة أو بجودة أو بسعر مناسب، لأن الرسوم قد تحمي منتجًا أوليًا محدودًا لكنها ترفع السعر النهائي على صناعات أوسع وتضعف قدرة المصدرين على المنافسة.

 

وفي هذا المعنى، ربطت الدكتورة عالية المهدي تنافسية الصناعة المصرية بتكلفة الغاز والكهرباء ومدخلات الإنتاج، ونبهت إلى اعتماد مصر الكبير على استيراد السلع الوسيطة والرأسمالية، وهو ما يجعل أي توسع صناعي هشًا إذا بقي قائمًا على واردات تضغط على العملة الأجنبية.

 

ولهذا السبب، تبدو قطاعات الكيماويات والأسمدة والأغذية والمشروبات والأجهزة الكهربائية أمام ضغوط متفاوتة لكنها متصلة، إذ تتراوح زيادة كلفة الكيماويات والأسمدة بين 15% و20%، وترتفع كلفة الأغذية والمشروبات بين 10% و15%، وترتفع كلفة الأجهزة الكهربائية بنسبة قريبة بسبب العملة والطاقة والنقل.

 

ومع استمرار الضغط، تحذر تقديرات قطاعية من احتمال تراجع نمو الصادرات في بعض المجالات بنسبة بين 5% و10% على المدى القصير، لأن الأسواق الخارجية لا تنتظر مصنعًا يحمل تكاليف محلية أعلى من منافسيه، ولا تكافئ دولة ترفع كلفة الإنتاج ثم تطالب بزيادة التصدير.

 

وفي النهاية، لا تواجه الصناعة المصرية أزمة عابرة في الأسعار، بل تواجه سياسة حكومية تجمع بين رفع الطاقة وتحرير عبء الدولار وفرض رسوم على مدخلات الإنتاج، ثم ترفع شعار الوصول إلى 20% من الناتج المحلي بحلول 2030، بينما يواجه المصنعون واقعًا يضغط على التشغيل والطلب والصادرات في وقت واحد.

 

وخلاصة المشهد أن الحكومة لا تستطيع بناء صناعة تنافسية بخطاب افتتاحات ومؤتمرات بينما تترك المصانع تحت رحمة الدولار والوقود والرسوم، لأن الصناعة تحتاج تكلفة يمكن توقعها وسلاسل إمداد مستقرة وطاقة بسعر عادل، ومن دون ذلك سيبقى هدف 2030 رقمًا دعائيًا أمام مصانع تدفع ثمن السياسات كل يوم.