شهد جنوب لبنان تصعيدا جديدا بعد إعلان وسائل إعلام إسرائيلية إصابة 3 جنود إسرائيليين في حادث وصفته بأنه عملياتي، بينهم 2 بجروح متوسطة، بينما نفذ جيش الاحتلال غارات على خربة سلم وتولين بذريعة استهداف مواقع تابعة لحزب الله.

 

تقدم حكومة الاحتلال هذه الضربات باعتبارها إجراءات أمنية، لكنها تواصل عمليًا فرض معادلة قصف مفتوحة على القرى الحدودية، حيث يدفع المدنيون كلفة التحليق الحربي والغارات المتكررة وغياب أي ضمان دولي قادر على وقف استهداف المناطق السكنية.

 

إصابات إسرائيلية تكشف حدود التفوق العسكري

 

في البداية، أعلنت تقارير إعلامية إسرائيلية إصابة 3 جنود في جنوب لبنان، وقالت إن الحادث وقع في إطار عملياتي دون أن تكشف تفاصيل دقيقة عن طبيعته، وهو صمت يعكس حساسية الخسائر داخل منطقة يحاول جيش الاحتلال تقديمها كساحة مضبوطة أمنيا.

 

وبعد ذلك، جاء إعلان الإصابات بالتزامن مع توتر متصاعد على خط التماس، حيث تتحرك القوات الإسرائيلية تحت ضغط عمليات ميدانية متقطعة، بينما تواصل الحكومة الإسرائيلية تسويق تدخلها العسكري كحاجة دفاعية، رغم أن الوقائع تظهر اتساع نطاق المواجهة داخل الأراضي اللبنانية.

 

وفي هذا السياق، يرى الباحث اللبناني مهند الحاج علي، من مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط، أن التصعيد المتكرر يزيد مأزق الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، لأن إسرائيل تفرض وقائع ميدانية مستمرة بينما تظل قدرة بيروت على ضبط الحدود محدودة تحت ضغط الحرب.

 

ولذلك، لا تبدو إصابة الجنود الإسرائيليين تفصيلا عابرا في سياق الاشتباك، لأن الإعلان عنها يؤكد أن عمليات الاحتلال في الجنوب لا تمنح تل أبيب أمنا كاملا، كما يكشف أن سياسة التوغل والضربات الجوية لا تنهي قدرة الطرف الآخر على الرد أو الاستنزاف.

 

ثم يعزز غياب التفاصيل الإسرائيلية عن الحادث حالة الغموض، لأن الجيش الإسرائيلي يعلن عادة روايته الأمنية بطريقة انتقائية، فيركز على توصيف الخطر ويقلل من شرح ملابسات الخسائر، وهو أسلوب يخدم الحكومة الإسرائيلية أمام جمهور داخلي يطالب بنتائج واضحة.

 

غارات خربة سلم وتولين وتوسيع بنك الأهداف

 

بعد إعلان الإصابات، قال جيش الاحتلال إنه نفذ ضربات جوية على ما وصفه بمبان عسكرية وبنى تحتية تابعة لحزب الله في خربة سلم وتولين، وادعى أن الغارات جاءت ردا على إطلاق قذائف صاروخية باتجاه شتولا مساء الخميس.

 

وبذلك، وضعت حكومة الاحتلال القريتين داخل بنك أهدافها المباشر، رغم أن البيان الإسرائيلي لم يقدم تفاصيل كافية عن طبيعة المواقع أو حجم الخسائر، كما لم يقدم أدلة علنية تتيح التحقق المستقل من الادعاء المتعلق باستخدام هذه المواقع في عمليات عسكرية.

 

وفي المقابل، لم يصدر تعليق رسمي من حزب الله على الضربات أو طبيعة الأضرار حتى لحظة تداول التقارير، كما لم تعلن السلطات اللبنانية حصيلة دقيقة للخسائر البشرية أو المادية، وهو فراغ معلوماتي يسمح لإسرائيل بتثبيت روايتها قبل ظهور روايات ميدانية أخرى.

 

ومن هنا، يرى الباحث جو ماكرون أن مؤشرات الجنوب اللبناني تدفع نحو حرب استنزاف، لأن إسرائيل وحزب الله يستخدمان مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لإعادة اختبار القيود وتطوير التكتيكات، بينما يغيب المسار السياسي القادر على إلزام الطرف الإسرائيلي بوقف عملياته.

 

وعلى هذا الأساس، لا يمكن فصل قصف خربة سلم وتولين عن نمط أوسع من الغارات الإسرائيلية في الجنوب، فقد أعلنت مصادر لبنانية ودولية خلال الأيام الأخيرة مقتل الصحفية آمال خليل وإصابة زميلتها زينب فرج في غارة إسرائيلية على بلدة الطيري.

 

ثم زادت خطورة المشهد بعد اتهام مسؤولين لبنانيين القوات الإسرائيلية بعرقلة إنقاذ الصحفيتين وفتح النار قرب فرق الإسعاف، بينما نفى الجيش الإسرائيلي استهداف الصحفيين عمدا، وأعلن أنه يراجع الواقعة، لكن النفي لا يمحو أثر القصف على المدنيين والعاملين في الميدان.

 

المدنيون بين القصف والتحليق وغياب الحماية

 

في ظل هذا التصعيد، تشير التقارير الميدانية إلى أن الغارات طالت مناطق قريبة من تجمعات سكنية، وهو ما يضاعف مخاوف أهالي القرى الحدودية من تحول كل تحليق حربي إلى ضربة جديدة، وكل بيان إسرائيلي إلى تمهيد لاستهداف آخر داخل الجنوب.

 

ولذلك، تعيش القرى الجنوبية تحت ضغط مزدوج، حيث يفرض الاحتلال تهديدا عسكريا مباشرا من الجو، بينما يمنع الغموض الأمني السكان من معرفة حدود الخطر، فلا يستطيع المدنيون التخطيط لحركة يومية آمنة أو العودة المستقرة إلى المناطق التي تعرضت للقصف.

 

وفي هذا الإطار، تقول الباحثة أمل سعد، المتخصصة في شؤون حزب الله، إن وقف إطلاق النار الهش لا يساوي تهدئة حقيقية عندما تحتفظ إسرائيل بحرية الضرب داخل لبنان، لأن هذا النوع من الترتيبات يحول الجنوب إلى مساحة ضغط مستمر بدل أن يوقف الحرب.

 

وبناء على ذلك، يظهر غياب التعليق الرسمي اللبناني المفصل كجزء من أزمة أوسع، لأن الحكومة اللبنانية تواجه ضربات متكررة دون قدرة واضحة على فرض حماية للمدنيين أو تقديم حصيلة سريعة وشفافة، بينما تتقدم الرواية العسكرية الإسرائيلية في الإعلام الدولي قبل رواية الضحايا.

 

ثم يضع استمرار التحليق المكثف للطيران الحربي السكان أمام واقع يومي قاس، لأن الطيران لا يؤدي دورا استطلاعيا فقط في الوعي المدني، بل يتحول إلى إنذار دائم باحتمال القصف، خصوصا عندما تقع الغارات قرب منازل وطرق وخدمات محلية.

 

ومع استمرار هذه المعادلة، تصبح الحجة الإسرائيلية عن استهداف بنى حزب الله غطاء سياسيا لتوسيع النار، لأن الحكومة الإسرائيلية لا تقدم مسارا يحمي المدنيين أو يوقف الاعتداءات، بل تقدم بيانات عسكرية متتابعة تبرر الضربات بعد وقوعها وتترك القرى أمام الخوف والخسائر.

 

وفي الخلاصة، يكشف تصعيد جنوب لبنان أن حكومة الاحتلال تستخدم التفوق الجوي لتثبيت معادلة قصف مفتوحة، بينما تؤكد إصابة 3 جنود أن الميدان لا يخضع لسيطرتها الكاملة، ولذلك يبقى المدنيون الحلقة الأضعف بين بيانات عسكرية إسرائيلية وصمت رسمي لبناني لا يحمي القرى.