عثمان لحياني

صحافي جزائري، مراسل العربي الجديد في الجزائر

 

كان الشيخ البشير الإبراهيمي، وهو من مؤسسي جمعية العلماء الجزائريين وقائد للحركة الإصلاحية زمن الاستعمار الفرنسي البغيض (1830 ـ 1962)، عالمًا ضليعًا في اللغة، لكنه كان من ذلك النوع الذي يشحن اللغة بالمحمول السياسي المتبصّر.

 

تنبأ الرجل بوعيه وبصيرته قبل خمسة عقود بما يدبّره العقل الاستعماري للسيطرة على المفاصل الرئيسة في الجغرافيا التي تمتد بين الخليج وشمال أفريقيا، فقال بمنطق الاستشراف البعيد: "يد المحتلين على طهران، وأرجلهم في الظهران، وأعينهم على وهران"، يقصد إيران والسعودية والجزائر، ليس كبلدان بعينها، ولكن كدول تمثّل كل منها ثقلًا استراتيجيًا يربط بينها أكثر من رابط.

 

تضع الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران أوزارها بقدر من الصعوبة التي تبقي القلق قائمًا ومشروعًا، وتنفّست كامل المنطقة والعالم من تداعيات الحرب، الاقتصادية والسياسية التي لم يسلم منها بلد، وقد تمتدّ آثارها لفترة قبل أن يحدث التعافي الكامل. لم تخسر إيران لكونها لم ترفع الراية البيضاء كما أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشريكه في تدبير الحرب بنيامين نتنياهو، ولم تربح واشنطن الحرب على النحو الذي كانت تريد، لكن سؤالًا يربطنا بمقولة الإبراهيمي، يمكن أن يُطرح من باب توقع ما هو أكثر سوءًا للمنطقة: ماذا لو اكتسحت واشنطن وتل أبيب طهران وهيمنت على جغرافيتها بأي شكل كان؟

 

يملك هذا السؤال مشروعية سياسية واستراتيجية بالغة. بالتأكيد كان التصور الإسرائيلي، خاصة للمنطقة، بعد تحييد إيران، مرتبطًا بمسعى تغيير خطوط الجغرافيا وفرض حدود جديدة بالأمر الواقع، والاندفاع أكثر نحو مشروع "إسرائيل الكبرى" بكل محمولها الجنوني والمتهور، والدفع بالتطبيع إلى أقصى حدوده وتمثلاته، ووضع دول المنطقة تحت إكراهات قاسية.

 

لذلك كانت السعودية هدفًا معلنًا للاحتواء الإسرائيلي في العلاقة بالتطبيع، واستمرار حالة الردع والتفوق الإسرائيلي، ثم التوجه للتركيز على دول تبدو مزعجة ومكافحة للتمدد الإسرائيلي، كالجزائر. في كل الأحوال، من الجيد أن الأمور انتهت إلى هذا الحد، فقد وفّرت هذه النهاية وضعًا أقل سوءًا وأكثر توازنًا في العلاقة بين إيران ودول الخليج والإقليم العربي، بالقدر الذي يبقى الإمكانية قائمة لإعادة وضع تفاهمات سياسية إقليمية، تحفظ لكل الأطراف مصالحها.

 

من جانب آخر، أظهرت حرب إيران أن أفضل طريقة لتحقيق السلم هو الاستعداد للحرب، خصوصًا في ظل عالم انفلتت فيه كل معالم القانون الدولي وتآكل فيه المنتظم الأممي على نحو غير مسبوق، وبات افتراس سيادة الدول أسهل من شربة ماء. لقد غيّرت هذه الحرب منطق الكثير من النخب السياسية وتفكيرها، ولم يعد لتلك الأسئلة والنقاشات التي كانت تخوض في دواعي التسلح وتجهيز الجيش محلّ موضوعي، ستعزّز الحرب على إيران لدى الكثير من الدول خيارات التسلح على هذا الأساس.

 

لا شيء بعيدًا عن الآخر، في الجزائر تتكرس مقاربة تعتبر أن الوضع الجيو-سياسي العالمي الراهن، يضع دول الجنوب أمام اختيارات معقدة، بالتالي يكرر رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول السعيد شنقريحة، في خطاباته الأخيرة، التأكيد أن الجيش "يواصل مسار تكييف منظومتنا الدفاعية بكافة أبعادها، وتطوير القدرات التكنولوجية لمنظومات الأسلحة، وتحضير الموارد البشرية وتأهيلها لاستغلال هذه المنظومات، وتوطين الصناعات الدفاعية، والاستباقية في التخطيط والقرار".