محمد أبو رمان

أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع

 

في خضمّ التحوّلات الكبيرة التي تمرّ بها منطقة الشرق العربي، ثمّة سؤال رئيس يتمثّل في موقع الإسلام السياسي فيه، وكيفية تفاعله معها، من جهة، وتأثيرها فيها من جهة أخرى، وهو السؤال الذي يحاول كتاب "الإسلاميون ما بعد السابع من أكتوبر... سؤال الهوية والمصير" (تحرير محمّد عفّان ومريم البطوش، معهد السياسة والمجتمع ومنتدى الشرق، عمّان، 2026) الإجابة عنه، من خلال نخبة من الباحثين والمتخصّصين في هذا الحقل.

 

ثمّة أوراق بحثية عديدة مهمة في الكتاب تتناول حالة الحركات الإسلامية في كلٍّ من فلسطين (حركتي حماس والجهاد)، وسورية (هيئة تحرير الشام والفصائل المسلّحة الأخرى)، ولبنان (حزب الله)، واليمن (الحوثيون)، والحشد الشعبي في العراق. في مقابل هذا، يعاين الكتاب المشهد الإقليمي بصورة عامّة والمتغيّرات الجديدة وتأثيرها في الإسلام السياسي ودوره، خصوصًا بعد "طوفان الأقصى" وما تلاه من ارتدادات إقليمية كبيرة من جهة، ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، وما يحمله هذا من دلالات ونتائج من جهة أخرى، مع الإشارة إلى أنّ الكتاب صدر عشية الحرب الإيرانية - الأميركية الحالية، سواء بما تحمله من تداعيات أو بوصفها امتدادًا لحالة الفوضى الإقليمية.

 

ويركّز الكتاب على مجموعة من التحوّلات الرئيسة التي تسهم في صوغ مشهد الإسلاميين في المشرق، ويقف في مقدّمتها البيئة السياسية الداخلية والإقليمية في المنطقة، على ثلاثة مستويات رئيسة: دولي، وإقليمي، وداخلي عربي، والعلاقة بين الإسلاميين والقاعدة الاجتماعية العربية.

 

المستوى الأول، تغيّر الوضع الجيوسياسي في المنطقة، الذي ساد في العقدَين الأخيرَين، ويتبدّى في تقلّص ما يُسمّى محور الممانعة وتفككه، مع تراجع الدور الإيراني، وتحوّل الدور السوري، وفي الجبهة اللبنانية، بعد الضربات العسكرية التي تعرّض لها حزب الله منذ "طوفان الأقصى"، وتحوّل المعادلة الداخلية اللبنانية، بالتوازي مع التدمير الكبير في غزّة، وما آلت إليه حركة حماس من واقع جديد مرتبط بنتائج الحرب الإسرائيلية، والتحوّل في الدور الإسرائيلي الإقليمي مع العقيدة الأمنية - العسكرية الجديدة التي تقوم على محاولات الهيمنة، فضلًا عن التحوّل في السياسات الأميركية في حقبة الرئيس الحالي دونالد ترامب.

 

يتزاوج المستوى الثاني مع الأول، ويتمثّل في التغيّر الكبير في السياسات المحلّية العربية في مرحلة ما بعد "الربيع العربي"، خصوصًا عملية الحصار التي تتعرّض لها الحركات الإسلامية السلمية، التي تعلن القبول بالعملية الديمقراطية، وباتت بصيغتها الكُبرى، أي "الإخوان المسلمين"، تنظيمًا محظورًا أو مصنّفًا تنظيمًا إرهابيًا في دول عربية عديدة، بعدما كانت البيئة الدولية والإقليمية سابقًا أكثر مرونةً في التعامل مع هذا الاتجاه الإسلامي، وتفتح له مساحات معيّنة للعمل، سواء على الصعيد المحلّي في العديد من الدول بصيغة قانونية أو عملية، أو على صعيد السياسات الدولية والإقليمية التي باتت تضيّق الخناق عليه، ما يطرح سؤالًا كبيرًا حول خيارات هذا الاتجاه العريض من الإسلام السياسي، الذي كان (وما يزال) يمثّل التيار الرئيس، فما هي خياراته أمام هذا الانسداد السياسي غير المسبوق تاريخيًا، وأمام عدم جدوى المسارات الديمقراطية؟ ما العمل؟

 

إذا أضفنا إلى ما سبق كلّه المفارقة الرئيسة التي تتمثّل في نجاح "الإسلام المسلّح" في الوصول إلى السلطة في سورية عبر هيئة تحرير الشام، التي باتت لاعبًا سياسيًا إقليميًا مقبولًا دوليًا وإقليميًا، بعدما كانت تُصنّف جماعةً إرهابيةً ضمن اللوائح الأميركية، وفي عديد من السياسات العربية، بعد أن استدارت الهيئة بصورة كبيرة تخلّت فيها عن جزء كبير من طرحها الجهادي السابق، وباتت في السلطة تنظيميًا وسياسيًا، لكن من دون الخطاب الأيديولوجي، وهذا يطرح سؤالًا آخر مهمًا عن تعريف الهيئة بعد هذه التحوّلات: هل ما يزال بإمكاننا تصنيفها إسلامًا سياسيًا أم أنّها دخلت طورًا جديدًا يُطلق عليه بعض الباحثين اسم "ما بعد الجهادية الإسلامية"؟

 

هذا وذاك يقوداننا إلى ظاهرة لم تأخذ نصيبًا وافرًا من الدراسة، متعلّقة بعديد من فصائل "الإسلام السياسي الشيعي" أيضًا، مثل حزب الدعوة في العراق، على سبيل المثال، وحلفائه، فقد دخلوا لعبة السلطة، إلا أنّهم لم يتمسّكوا أيضًا بأيديولوجيا الإسلام السياسي التقليدية، وربما نجد ظواهر شبيهة في سياقات سياسية مغايرة ومختلفة، مثل النموذج التركي الذي مثّل حالة مختلفة، بل كان فاتحة العهد الواقعية لما يُسمّى بمرحلة "ما بعد الإسلام السياسي"، بعد أن تخلّى حزب العدالة والتنمية هناك عن الأسس الأيديولوجية الأربكانية التي مثّلت النموذج التقليدي والتاريخي هناك قبل ولادة هذا الحزب.

 

في ضوء ذلك كلّه، من الضروري اليوم مراجعة مفهوم "الإسلام السياسي" نفسه وتفكيكه، في ضوء الظاهرة السابقة (الإسلاميون واللاإسلاميون في الحكم) من جهة، والتحوّلات التي أصابت الحركات الإسلامية السلمية التقليدية التي أعلنت هي الأخرى قبول العملية الديمقراطية، وتخلّت عن النموذج التقليدي في الخطاب، أو على الأقلّ بعض صيغه الكُبرى، مثل "الدولة الإسلامية" و"المواجهة مع العلمانية" وشعارات "الحلّ الإسلامي"، وباتت تقبل التعامل مع الواقع السياسي وبأجندات سياسية واقتصادية جديدة.

 

في الجهة المقابلة من إعادة تفكيك مفهوم الإسلام السياسي، يأتي متغيّر آخر يتمثّل في التحوّل في السياسات الدينية العربية، بخاصة في الدول التي كانت تحمل أيديولوجية قومية ويسارية، وباتت اليوم تمنح الخطاب الديني مساحةً واسعةً من اهتمامها، وتنافس الإسلاميين في إدارة الحقل الديني، فلم تعد الخطوط الفاصلة بين ما يطرحه الخطاب الأيديولوجي الجديد للإسلاميين وبين سياسات العديد من الدول العربية كبيرةً أو واضحةً، ممّا يطرح اليوم سؤالًا في المجال الأيديولوجي عن الفرق بين أحزاب وقوى إسلامية وبين قوى سياسية أو حكومات أخرى.

 

من رحم هذه الأسئلة يأتي المستوى الثالث من التحليل، ويتمثّل في سؤال العلاقة بين الإسلاميين والقاعدة الاجتماعية التي يمثّلونها. فتاريخيًا، كانوا يمثّلون شريحة اجتماعية واسعة ترى فيما يطرحه الإسلام السياسي من شعارات وأفكار مسارًا للحلّ السياسي، وعلى هذا الأساس بُني اختيارهم لهذا النموذج وشعبيته الكبيرة في العالم العربي. أمّا اليوم، فما هي القاعدة الاجتماعية التي تمثّل الإسلاميين، بخاصة بعد تحوّل أدوارهم وخطابهم والانتقال من المحاضن الاجتماعية والخدماتية التقليدية إلى ساحة التنافس السياسي الصريح؛ في بعض الدول تأخذ هذه القاعدة طابعًا طائفيًا، مثل الحالة العراقية واللبنانية، وفي دول أخرى تأخذ طابعًا اجتماعيًا وجغرافيًا، وفي دول أخرى أصبح الإسلاميون قوةً، بوصفهم المعارضة الرئيسة التي ترفض السياسات الحكومية وتمثّل الخطاب الناقد لها، فكيف يمكن أن نعيد قراءة هذه العلاقة بين الحركة والبنية الاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية؟

 

إذن، أهمية هذا الكتاب، وما يتضمّنه من أوراق ودراسات متنوعة، ليست في أنّه يقدّم أجوبة جاهزة، بل فيما يطرحه من أسئلة وملاحظات تستحق مساحةً واسعةً من التفكير والدراسة حول أحد أكثر اللاعبين السياسيين الداخليين والإقليميين أهميةً في المنطقة.