وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
لا يحتاج إثبات التشابه، حدّ التطابق، بين مسوّغات أنور السادات لإقناع المصريين بفائدة مذاق سموم "كامب ديفيد" وروعته قبل نحو نصف قرن ومبرّرات الجنرال جوزاف عون لتشجيع اللبنانيين على تعاطي وصفة الصديق الأميركي دونالد ترامب المسمومة، والذهاب معه إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني. لا فرق كذلك بين التبريرَين ومبرّرات "أوسلو"، بنسختها العرفاتية والأخرى الرديئة الركيكة مع وريثه برغبة إسرائيلية أميركية محمود عبّاس، ناهيك عن أنّ المنطلقات واحدة: "حماية شعبي"، والمفردات أيضاً: "الذهاب إلى أيّ مكان في العالم لجلب السلام".
حصاد 50 عاماً من السلام الأميركي هو ما نراه الآن، كيان صهيوني كان معزولاً ومنبوذاً، يتسوّل لحظة تطبيع ولو عابرة، صار يسلك الآن بوصفه مالك الشرق الأوسط، والمتحكّم في جغرافيته وتاريخه، يتمدّد أفقياً في الأرض العربية، ورأسياً في الوعي العربي، يستدعي من يشاء للتطبيع، بشروطه وفي الأوقات التي يريدها، ويحوّل ما كانت تسمّى "دول الطوق العربية" التي تحاصره، وتهدّد وجوده، إلى مناطق أمنية يتمركز داخلها ليحمي بها حدوده التي توسّعت على حساب سورية ولبنان وفلسطين، ولا يكفّ عن إعلان مشروعه الأسطوري بالذهاب إلى أبعد من ذلك، حتى منتهى الحلم التوراتي.
وبالرغم من ذلك كلّه، تستمرّ الهرولة ويتكاثر المهرولون العرب، وأحدثهم لبنان الذي قرّر حكّامه الجدد، في لحظة معانقة الصديق الأميركي (الصهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم) ومخاصمة قواه المقاومة للاحتلال الذي يتمدّد في الجنوب اللبناني، ويعلن خطوطاً صفراء على غرار ما فعل في غزّة، إذ يكثّف جيش العدو، منذ خطاب الرئيس اللبناني المتجهّم الزاعق بوجه المقاومة، عمليات نسف في بنت جبيل والسيطرة على عشرات القرى في جنوب لبنان، وهو مطمئنٌ تماماً إلى أنّ لديه رخصة رسمية من الحكومة اللبنانية التي وافقت على خطّة الصديق ترامب، وتنصّ على "منح إسرائيل حصراً حقّ اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أيّ وقت، ضدّ أيّ هجمات مُخطّط لها أو وشيكة أو جارية". وهو ما ترجمه جيش الاحتلال عملياً بعد دقائق من احتفال عون بالسلام، بقصف بالمسيّرات وتوغّل في القرى واقتطاع للمساحات، والحجّة جاهزة: نستشعر أو نتحسّس أو نخمّن أنّ هناك من يفكّر في عقله الباطن بتهديد قوات جيش الاحتلال، التي تمتلك حصانةً رسميةً وافقت عليها الدولة اللبنانية.
تتحسّس إسرائيل فتمارس القتل، ويتحسّس عون فيلقي بلبنان في أتون سلام كاذب بطعم الانتحار، حيث لا يستطيع الرئيس اللبناني رؤية الحشود التي تتظاهر ضدّ هذا المسار عند مقر الحكومة، لكنّه، ويا للعجب، استطاع أن يطّلع على ما في صدور اللبنانيين وعقولهم، فتوصّل إلى أنّهم مثله ينشدون التطبيع، بحسب ما قال في خطابه الساداتي: "وأنا أدرك أنّكم معي في سرّكم وعلنكم".
كيف علم شخص لم يمرّ على تعيينه رئيساً سوى شهور معدودة ما يخبّئه الناس في أذهانهم؟ هذا ما يسمّيه الفلاسفة "ديمقراطية التحسّس"، وهي تراثٌ موسولينيٌّ عريق، عبّر عنه أستاذ الفلسفة إمام عبد الفتاح إمام، في كتابه الأشهر "الطاغية"، بالقول إنّ الترجمة الحقيقية للديمقراطية في المذهب الشمولي هي أنّ إرادة القائد أو الزعيم هي إرادة الشعب، أو كما ذهب منظّرون في عهود الاستبداد هي ديمقراطية "التحسّس"، بمعنى أنّ القائد الزعيم الملهم يتحسّس "مطالب الجماهير" ويصدر بها قراراتٍ وقوانينَ، ولمّا كان الشعب دائماً على حقّ، فإنّ الزعيم المعبِّر عن إرادة الشعب هو أيضاً دائماً على حقّ، وهذا شيء غريب على لبنان الذي يبقى أكثر ما يميّزه أهميةً أنّه يعيش في مناخ ديمقراطي إلى حدّ بعيد قياساً بمحيط عربي يقدّس حاكميه.
مدهش حقّاً هذا الإيمان المطلق بأنّ دونالد ترامب صديقٌ محبٌّ للسلام، ويريد أن يجعل بلداً عربياً عظيماً مجدّداً، وهو الذي لا يترك مناسبةً إلا ويعلن فيها ولاءه الكامل لأحلام إسرائيل، واعتقاده الراسخ بأنّها الشريك والحليف الذي يثق فيه، ويراه جديراً بقيادة الشرق الأوسط.

