طرح الخبير الاقتصادي هاني توفيق فكرة تغيير شكل العملة باعتبارها مدخلًا سريعًا لضرب الاقتصاد غير الرسمي في مصر، لكن الجدل الذي تلا التصريح كشف ما هو أعمق من مجرد اقتراح مالي مثير. الدولة التي عجزت لسنوات عن بناء نظام ضريبي عادل، وسمحت بتوسع التهرب في قطاعات واسعة، تحاول اليوم استعادة الأموال من جيوب الناس بدلًا من إصلاح بيئة العمل نفسها. هنا لا يظهر الاقتصاد غير الرسمي كحادث جانبي، بل كنتيجة مباشرة لسياسات دفعت ملايين المصريين إلى العمل خارج المظلة القانونية، ثم عادت لتتعامل معهم باعتبارهم مشكلة أمنية ومالية. وبينما دعا توفيق في 12 مارس 2026 إلى تغيير العملة ودمج الأموال الموجودة خارج البنوك، كانت بيانات البنك المركزي نفسها تشير في 17 فبراير 2026 إلى ارتفاع الشمول المالي إلى 77.6% بنهاية 2025، بما يعني أن اتساع التعامل النقدي لا يفسره نقص الحسابات وحده، بل يفضح عجز الدولة عن تحويل الحسابات إلى ثقة ومعاملة عادلة وإدماج حقيقي.
هذا التناقض يضع الحكومة في قلب الأزمة لا على هامشها. حين يتحدث خبير عن أموال ضخمة خارج الجهاز المصرفي، فإن السؤال لا يجب أن يتوقف عند كيفية جذبها، بل يجب أن يبدأ من سبب هروبها أصلًا من المنظومة الرسمية. المصري الذي يرى الضرائب تتسع والرسوم تتزايد والخدمات تتراجع، لا يقرأ دعوات الدمج باعتبارها إصلاحًا اقتصاديًا، بل باعتبارها جولة جديدة من التحصيل بلا ضمانات. لذلك بدا الجدل حول تغيير العملة أقرب إلى اعتراف متأخر بأن السلطة فشلت في ضبط السوق، وفشلت كذلك في بناء علاقة مستقرة مع صغار المنتجين والمهنيين والحرفيين. وحتى هاني توفيق نفسه ربط نجاح المقترح ببناء الثقة وبحزمة تشريعية وإجرائية واسعة، وهو اعتراف واضح بأن الأزمة ليست في الورقة النقدية وحدها، بل في بنية حكم اختارت الجباية قبل الإصلاح، والرقابة قبل العدالة، والتضييق قبل الحوافز المنتجة.
تغيير العملة بين الصدمة المالية واعتراف الدولة بفشلها في الجباية
وفي هذا السياق جاء اقتراح هاني توفيق بتغيير العملة خلال فترة محددة ليدفع حائزي السيولة خارج البنوك إلى إيداعها داخل الجهاز المصرفي، مع فرض ضريبة مخففة لتسوية الأوضاع. توفيق قدم المقترح باعتباره أداة جذرية لمحاربة التهرب الضريبي وغسل الأموال ورد الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية.
لكن هذا الطرح يكشف في الوقت نفسه خللًا أعمق داخل السياسة المالية نفسها. الدولة التي تملك أجهزة ضريبية ورقابية وتشريعات متلاحقة لم تنجح حتى الآن في ضبط الأنشطة المنظمة التي تعمل جزئيًا خارج الإقرار الضريبي. لذلك يبدو اللجوء إلى تغيير العملة اعترافًا بأن أدوات المتابعة التقليدية لم تنجح.
ثم إن الخبير الاقتصادي مدحت نافع حذر في مقاله عن الإصلاح الضريبي من أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي يرتبط باختلال تاريخي في هيكل الإيرادات العامة، وأن العبء النسبي يقع على شريحة محدودة من الممولين الملتزمين. هذا التوصيف يضرب جوهر الرواية الحكومية التي تختزل الأزمة في أموال مخبأة بعيدًا عن البنوك.
ولذلك فإن تغيير شكل العملة، حتى لو نُفذ، لن يحل أصل المشكلة ما دامت الحكومة عاجزة عن تقديم ضمانات قانونية وضريبية مستقرة. الإجراء قد يدفع أموالًا إلى البنوك مؤقتًا، لكنه لا يضمن بقاءها داخل الدورة الرسمية إذا استمرت بيئة العمل نفسها قائمة على الجباية المرتفعة وتعقيد الإجراءات وضعف الحماية القانونية.
الشمول المالي يتوسع على الورق بينما الثقة تتراجع في السوق
وبحسب البنك المركزي، ارتفعت معدلات الشمول المالي في مصر إلى 77.6% بنهاية 2025، ووصل عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تسمح بإجراء معاملات مالية إلى 54.7 مليون مواطن. كما شملت القياسات حسابات البنوك والبريد ومحافظ الهاتف المحمول والبطاقات المدفوعة مقدمًا، وهي أرقام تعكس توسعًا واضحًا في الوصول المالي.
غير أن هذه الأرقام لا تعني تلقائيًا تراجع الاقتصاد غير الرسمي أو انحسار الكتلة النقدية المتداولة خارج البنوك. اتساع الحسابات لا يساوي اتساع الثقة، خصوصًا عندما يظل المواطن مقتنعًا بأن دخوله المنظومة الرسمية سيضعه تحت ضغط ضرائب ورسوم وملاحقات، من دون مزايا تمويلية أو تأمينية أو قانونية حقيقية.
كما أن تحويل مكاتب البريد إلى قناة أوسع للخدمات المالية، وهو ما طرحه هاني توفيق، ينسجم مع توجه رسمي قائم أصلًا يعتبر البريد جزءًا من أدوات الشمول المالي. لكن هذا المسار يظل محدود الأثر إذا لم يصاحبه تبسيط فعلي للتسجيل والتراخيص والتأمينات، لأن الحساب البنكي وحده لا يخرج الورشة أو المتجر من خوفه المزمن من الدولة.
وفي هذا الإطار قال أحمد سمير، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، إن دمج الاقتصاد غير الرسمي ضرورة لتحقيق نمو حقيقي ومستدام، لكنه أقر أيضًا بعدم وجود إحصاءات دقيقة تحدد حجمه مقارنة بالاقتصاد الكلي. هذا الإقرار الرسمي يكشف أن الحكومة تدير ملفًا ضخمًا من دون قاعدة بيانات مكتملة، ثم تطلب حلولًا صادمة من المجتمع.
تجريم النقد لا يكفي ما دامت الدولة تعجز عن تقديم مزايا الدخول الرسمي
وفي المسار نفسه دعا هاني توفيق إلى تقليص الاعتماد على النقد في المعاملات الكبيرة، بل واقترح تجريمها من أجل رفع الشفافية وتقليل الفساد. هذا الطرح يتحرك فوق أرض تشريعية موجودة بالفعل، لأن قانون تنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي قائم منذ 2019، كما أن قرارات تنظيمية لاحقة أعادت التأكيد على الحد من تسلم المبالغ النقدية خارج الحدود القانونية.
لكن المشكلة هنا أن الدولة تكرر الأدوات نفسها من دون أن تراجع أثرها الفعلي. فإذا كان القانون موجودًا منذ سنوات، واستمرت المعاملات النقدية الواسعة، فإن الخلل لا يكمن فقط في نقص التجريم، بل في ضعف التطبيق الانتقائي، وفي بقاء جزء كبير من النشاط الاقتصادي خارج الحوافز التي تجعل الامتثال أقل كلفة من الهروب.
كما أن الخبير هاني جنينة كان قد ربط في تصريحات سابقة بين تقنين الاقتصاد غير الرسمي ودعم الموارد الضريبية، معتبرًا أن نسبة ضرائب الدخل إلى الناتج في مصر تظل منخفضة مقارنة بالمستويات العالمية. هذه الملاحظة تضع الحكومة أمام سؤال مباشر: لماذا بقيت القاعدة الضريبية ضيقة رغم موجات القوانين والحملات والرسوم؟
لذلك تنتهي هذه الطروحات كلها إلى نتيجة واحدة لا تحب الحكومة الاعتراف بها. الاقتصاد غير الرسمي في مصر لم يتمدد لأن الناس ترفض القانون من حيث المبدأ، بل لأنه وجد في الدولة جهازًا يطلب الإفصاح ولا يقدم حماية، ويطلب السداد ولا يضمن عدالة، ويستدعي الأموال إلى البنوك بينما يترك أسباب الهروب على حالها. ولهذا فإن تغيير العملة، وتوسيع الشمول المالي، وتجريم المعاملات النقدية، ستظل أدوات ناقصة ما دامت السلطة ترفض البدء من الإصلاح المؤسسي الحقيقي. الحكومة لا تواجه فقط اقتصادًا موازيًا، بل تواجه أزمة ثقة صنعتها بنفسها، وكل محاولة لتجاوز هذه الحقيقة ستعيد تدوير الأزمة بدل حلها.

