رفيق عبد السلام
عضو المكتب التنفيذي لحزب حركة النهضة، وزير الخارجية التونسي الأسبق
الحرب الأميركية على إيران اكتنفها قدر كبير من الغموض والتخبّط منذ بدايتها، وربّما كان النصيب الواضح فيها أنّها كانت عبثيةً بدايةً ونهايةً، بلا أهداف واضحة ولا أفق محدّد، فقد كانت متقلّبةً بتقلّب مزاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب وانفلات لسانه وتغير تصريحاته التي لا تستقرّ على حال. ما يقوله في الصباح ينسفه في المساء، وكلّ يوم هو في حال وشأن، إن لم نقل كلّ ساعة أو اثنتَين، هنا لم يعد الكذب والخداع والثرثرة مجرّد خصال شخصية أو تشوّهات فردية عند من يقود القوة الأولى في العالم، بل بات منهجَ حكم وطريقةً في إدارة العلاقات الدولية. لا نتحدّث هنا عن الخداع الدبلوماسي الذي مارسه ترامب في ما عُرف بحرب الـ12 يومًا في يونيو الماضي، ثم هذه الحرب التي امتدّت 40 يومًا، إذ كانت الدبلوماسية فيهما مجرّد غطاء لاستكمال التحشيد العسكري ومباغتة العدو، قبل الحديث هنا عن سلسلة الأكاذيب الطويلة التي رافقت الحربَين ولحقت بهما ويدحض بعضها بعضًا، من تدمير المشروع النووي إلى تدمير القدرات البحرية وتفويض القوة الصاروخية الإيرانية وما شابه ذلك.
لم تكن إيران في أحسن حالاتها في مواجهة قوة جبّارة بحجم الولايات المتحدة، وقد تلقّت ضربات موجعة في قدراتها العسكرية وقوتها النارية، ولكن لا أحد يستطيع قراءة المشهد العسكري أو ما تمخّض من هذه الحرب الشرسة من خلال ما تفوّه به ترامب أو وزير حربه بيت هيغست أو مستشاريه ممَّن ينهلون من المعين السياسي ذاته تقريبًا، وهو معين يتراوح بين مقولات التدمير والقضاء المبرم والتخريب والانتصار الساحق وما إلى ذلك.
بدأت الحرب بعناوينَ وأهدافٍ كبيرةٍ تتوزّع بين إسقاط النظام وتقويض برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية، وانتهى الأمر إلى المراوحة عند هدف أصغر ما زال قطب الرحى حربًا وسلمًا، لم يكن مطروحًا أصلًا عند تحرّك البوارج الحربية الأميركية، وهو فتح مضيق هرمز الذي فرض الإيرانيون سيطرتهم عليه بصورة شبه كاملة، ثم قرّر ترامب فرض حصار على الحصار، وما زالت المعركة سجالًا إلى يومنا هذا حول هذا الملفّ، حتى أنّ الموضوع النووي أضحى ثانويًا وتابعًا له، خاصّةً مع تحوّل هذا الحصار إلى طوق اقتصادي عالمي، والأرجح أنّ الصين أوّل المستهدفين وأكثر المتضرّرين منه، ولذلك اضطر الصينيون، رغم ميلهم الشديد إلى الهدوء والتحفّظ وتجنّب خطوط الصراع، إلى الخروج عن صمتهم وتنبيه الأميركان بضرورة إنهاء حصار مضيق هرمز وعدم التدخّل في علاقتهم بطهران، بحكم أنّ المسّ بموضوع الطاقة يدخل في خانة تهديد أمنهم القومي.
مؤكّد هنا أنّ ترامب وضع نفسه، ومعه المنطقة كلّها، بل العالم الأوسع، في ورطة كبيرة وغير محسوبة، إذ بات الجميع ينام ويصحو على أسعار النفط والغاز وتقلّبات الأسواق والأسهم، وكان مبعث هذه الورطة الكبيرة خضوعه شبه الكامل للأجندة الإسرائيلية، بل أجندة نتنياهو شخصيًا الذي يحلو له تسميته "بيبي"، ثم طمع ترامب في وضع يديه على نفط إيران وغازها نسجًا على منوال فنزويلا، ولا سيّما أنّ بيبي قد أغراه بأنّ العملية العسكرية ضدّ إيران ستكون بمثابة عملية جراحية سريعة وخاطفة ومن دون كلفة مالية وبشرية كبيرة بما يشبه النموذج الفنزويلي، إذ يكفي أن يتم ضرب الصف الأوّل من القيادات السياسية والعسكرية، وفي رأسها المرشد الأعلى، أو ما سمّي في الاصطلاح العسكري الأميركي بـ"جزّ رأس العشب"، حتى يتصدّع النظام من الداخل برمّته مع احتمال كبير لتحرّك الشارع لاستكمال المهمة. وفي هذه الحالة لن يكتفي ترامب بجني أموال وثمرات بلاد فارس، وبالتبعية مزيد من التحكّم في نفط العرب، بل سيكسب أكثر من ذلك مجدًا سياسيًا لا يضاهى ينعكس في صناديق الانتخابات النصفية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر من السنة الجارية، ومن ثم يُتوَّج ملكًا على الشرق الأوسط بعدما توَّج نفسه ملكًا على أميركا الجنوبية. وعلى الرغم من أنّ كبار القادة العسكريين وبعض المستشارين شكّكوا في جدّية هذه الخطّة ومبالغات نتنياهو ورئيس جهاز مخابراته، إلا أنّ ترامب حسم أمره باتجاه ضربته العسكرية الثانية.
كشف تقرير مفصّل في نيويورك تايمز (في السابع من إبريل الحالي) أن نتنياهو قدّم في البيت الأبيض عرضًا استمرّ نحو ساعة وتضمَّن تصوّرًا متكاملًا لاستهداف إيران، مؤكّدًا أنّ الظروف باتت مواتيةً لتحقيق ضربة سريعة وحاسمة على إيران. وركّز العرض على إمكانية تدمير برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني خلال أسابيع قليلة، مع تقديرات بأنّ ردّ طهران سيكون محدودًا، سواء من حيث إغلاق مضيق هرمز أو استهداف المصالح الأميركية في المنطقة، كما عرض الجانب الإسرائيلي معلومات استخبارية تشير إلى أنّ الداخل الإيراني مهيأ لعودة الاحتجاجات، ما قد يفتح الباب واسعًا أمام سيناريو تغيير النظام، خصوصًا إذا تزامنت القلاقل مع ضربات عسكرية مكثّفة. وتضمّن العرض مقطع فيديو يستعرض شخصيات مرشّحة لقيادة إيران في مرحلة ما بعد النظام، من بينها رضا بهلوي، ولكن ما ظهر حتى الآن أنّ النظام ظلّ متماسكًا، بل هو أكثر تماسكًا وتصلّبًا، وأنّ عودة بهلوي حُلمٌ بعيد المنال، لا يختلف كثيرًا عن بقية الأحلام التي تضمّنتها خطّة نتنياهو.
وما كان بمقدور نتنياهو المناور النجاح في ما فشل فيه مع ثلاثة رؤساء سابقين لولا قابلية ترامب لهذا الاستدراج بسبب وجود ملفّات ضغط بين يديه، ثم غريزة الطمع القوية عند الرئيس الذي ما زال يتصرّف بخلفية رجل الأعمال المتلهّف للصفقات والأرباح، وما حفّز ترامب على هذه المغامرة العسكرية مع إيران هو العملية الخاطفة التي قام بها في فنزويلا وانتهت باستلال رئيسها من سريره مع زوجته وجلبهما إلى نيويورك، في مشهد استعراضي لم يسبق له مثيل، ومن ثم قلب النظام من داخله بما مكّنه من السيطرة على أكبر مخزون نفط وغاز في العالم بأقلّ التكاليف الممكنة.
أمّا حين صمتت المدافع والصواريخ مؤقّتًا بعد حرب الأربعين يومًا، فليس معلومًا على سبيل اليقين إلى أين ستؤول الأمور، وهل ستنجح دورة ثانية من المفاوضات يقودها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في عقد تسوية سياسية شاملة، أم أنّ نتنياهو سينجح مرّةً أخرى في إفشال المفاوضات وجرّ حليفه إلى استئناف القتال، خصوصًا أنّ عقدة هرمز وتبعاتها ما زالت قائمةً بموازاة استمرار التحشيد العسكري الأميركي في مياه الخليج والمحيط الهندي.
يقول المفكّر البروسي كلاوزفيتز إنّ الحرب امتداد للسياسة بشكل آخر، ولكن يتوجّب أن يضاف أنّ السياسة هي الأخرى امتداد للحرب بشكل أو بآخر، بمعنى أنّ المفاوضات السياسية التي بدأت متعثّرةً ثم انهارت في دورتها الأولى في إسلام آباد لن تكون سهلة على طرفي النزاع، ليس بسبب ثقل ميراث الصراع والجراحات الغائرة لما يزيد على أربعة عقود فحسب، بل بسبب عدم تشكّل ميزان قوى راجح من رحم هذه الحرب، ثم استمرار الجدل في نتائجها، إذ يدّعي كلّ طرف أنّه في موقع المنتصر ويمتلك اليد العليا على خصمه، والقدر الجلي أنّ هذه الحرب لم يخرج منها منتصر واضح مقابل مهزوم واضح، بما أتاح لكلّ طرف صنع سرديته الخاصّة به، ولكن هذا في حدّ ذاته يُعدّ انتصارًا لإيران التي تمكّنت من تحقيق توازن رغم الاختلال الهائل في موازين القوى العسكرية.
أدركت طهران منذ البداية أنّ هناك تفاوتًا في القدرات العسكرية والقوة النارية بين الطرفَين، وخصوصًا في مجال سلاح الجو، ولذلك تركّز رهانها الرئيس على إطالة أمد الحرب، وتحويلها إلى حرب استنزاف، ثم التعويل على قوتها الصاروخية أكثر وتوسيع نطاق المعركة جغرافيًا واستخدام ورقة المضيق والطاقة، وهذا يعني في محصّلته النهائية منع الخصم من تحقيق أهدافه المعلَنة من الحرب، وقد نجحت طهران في ذلك بنسب كبيرة، ولئن تمكّنت واشنطن وحليفها الإسرائيلي من تحقيق نصر تكتيكي من خلال الاغتيالات والوصول إلى الصفّ الأوّل من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية وضمان تفوّق جوي واضح، ولكنّها لم تتمكّن من إسكات القوة الصاروخية الإيرانية الموجعة التي اخترقت أحزمة الدفاع الجوي وظلّت تضرب في العمق الإسرائيلي، أمّا ما أشيع عن تدمير قدرات إيران البحرية بنسبة 90% على نحو ما ورد على لسان ترامب ووزير حربه هيغسيت فقد كان أقرب إلى الهراء منه إلى الحقائق، والأكثر أهميةً أنّ أميركا لم تتمكّن من إحداث فراغ في النظام الإيراني، ولا من كسر إرادته وفرض الإذعان عليه بالقوة النارية، وإذا تجاوزنا الجدل الحاصل في العالم العربي حول نتائج الحرب المحكوم بحالة الاستقطاب السياسي والطائفي، فهناك اتجاه غالب بين الأميركيين بأنّ واشنطن لم تربح هذه الحرب، وما يجري مجرّد تورية أو إدارة لهزيمة وتخفيف تبعاتها، ولا يمثّل جون ميرشايمر أو جيفري ساكس وفريد زكريا، بل وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن، استثناء في المشهد العام.
يبقى التحدّي المطروح على العالم العربي، والخليج العربي على وجه الخصوص، في كيفية التعاطي مع مرحلة ما بعد الحرب، والخروج من هذه الدوامة الكبيرة بأقلّ الخسائر وأخفّ التكاليف الممكنة، فقد دفعت دول الخليج كلفةً كبيرةً من أمنها واستقرارها جرّاء حرب لم تُستشر فيها، ولا كانت فيها طرفًا، وكان ذلك بعدما قرّر الأميركيون، لحسابات تخصّهم، دحرجة كلّ المنطقة نحو حريق كبير، ثم زادوا على ذلك عدم توفير الحدّ الأدنى من مقومات الحماية، بل تحوّلت القواعد الأميركية إلى مجلبة لشرور كثيرة. هنا يجب أن تحضر الرؤية وتُغلّب معطيات الجغرافية السياسية على العواطف والأوجاع، وهذا يعني أنّه، ومهما كان حجم القلق والغضب والألم من طهران، لا مهرب من أخذ معطيات الجيرة بعين الاعتبار وإصلاح ما أفسدته الحرب باتجاه علاقة أكثر توازنًا في إطار أمن إقليمي متبادل بعيدًا عن الأجانب، نظام يأخذ مصالح ومخاوف الجميع بعين الاعتبار. وقد فعلت دول الخليج خيرًا بإعطاء دور أوسع للأتراك والباكستانيين والمصريين في سياق هذه المخاطر الجمّة والسيولة الكبيرة التي تمرّ بها المنطقة، بل الساحة العالمية برمتها.

