أعاد الجدل حول ما سمي بـ"وفاة حقل ظهر" فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في قطاع الطاقة المصري، لأن الحقل الذي قدمته السلطة منذ 2018 باعتباره قاعدة الاكتفاء الذاتي ورأس الحربة في مشروع تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، صار اليوم عنوانًا لأسئلة محرجة عن الإنتاج والاستدامة والقدرة على الوفاء بالوعود القديمة.
الموجة بدأت بعد تصريحات نُسبت إلى المهندس مدحت يوسف عن "وفاة الحقل"، ثم عادت وتبدلت بعد خروجه لاحقًا لينفي هذه الصياغة بشكل قاطع، ويصفها بأنها تعبير غير علمي ولا يمت إلى كلامه بصلة. لكن نفي العبارة لم ينه أصل المشكلة، لأن الوقائع الأهم بقيت قائمة، وفي مقدمتها تراجع الإنتاج، وعودة الحديث عن الحاجة إلى آبار جديدة، وارتفاع القلق من اتساع الفجوة بين ما ينتجه الحقل اليوم وما رُوّج له سابقًا بوصفه ضمانة طويلة الأجل لأمن الطاقة في مصر.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بتصحيح صياغة إعلامية أو نفي عبارة قاسية، بل تتعلق بما كشفه الجدل نفسه من هشاشة خطاب رسمي بالغ في تسويق حقل ظهر باعتباره نقطة تحول نهائية في تاريخ الغاز المصري. فالحقل اكتشفته إيني في أغسطس 2015، ثم دخل الإنتاج سريعًا، وساعد فعلًا في دعم الاكتفاء الذاتي المعلن في 2018، لكن السنوات التالية أظهرت أن الحقول العملاقة لا تعمل بمنطق الخلود، وأن الذروة يعقبها تراجع يتطلب استثمارات وحفرًا مستمرًا وإدارة تقنية دقيقة.
وعندما ينكمش الإنتاج ويتراجع الفائض وتعود الضغوط على السوق المحلية، يصبح سؤال "وفاة حقل ظهر" عنوانًا سياسيًا واقتصاديًا أوسع من مجرد خلاف على لفظ، لأنه يلامس مباشرة فجوة متزايدة بين الترويج السابق والواقع الحالي في ملف الغاز المصري.
مدحت يوسف نفى لفظ الوفاة لكن تراجع الإنتاج بقي قائمًا
ثم جاء تصحيح مدحت يوسف ليضع النقاش في مساره الفني، إذ قال في مداخلة تلفزيونية إن تعبير "وفاة حقل ظهر" غير علمي ولم يصدر عنه، وإن ما يحدث هو تناقص طبيعي في الإنتاج مع مرور الوقت، وهي ظاهرة معروفة في آبار الغاز. هذا النفي أزال مسؤولية العبارة عنه، لكنه لم ينف جوهر الأزمة المرتبط بانخفاض الإنتاج نفسه.
وبعد هذا التوضيح، أعاد يوسف التذكير بأن الحقل ما زال الأكبر في مصر، وأن التراجع بعد سنوات من الذروة لا يعني نهاية الحقل ولا توقفه الكامل، بل يعني الحاجة إلى إدارة فنية تشمل حفر آبار جديدة وتحسين الاستخراج. هذا التفسير ينسجم مع حديثه السابق في سبتمبر 2024 حين قال إن انخفاض إنتاج ظهر كان مرتبطًا بتوقف عمليات الحفر التنموية.
كما تكشف بيانات وتقارير حديثة أن الإنتاج بالفعل تراجع خلال 2025، وأن هذا التراجع انعكس على مجمل إنتاج الغاز في مصر، الذي هبط في يناير إلى أدنى مستوى في 8 سنوات بحسب مصادر نقلت عنها منصة الطاقة. هذه المعلومة مهمة لأنها تؤكد أن الجدل لم ينشأ من فراغ إعلامي، بل من مسار إنتاجي ضاغط فرض نفسه على النقاش العام.
وفي هذا السياق، قال المهندس مدحت يوسف في تصريحات سابقة إن حقل ظهر كان سببًا رئيسيًا في دعم الاكتفاء الذاتي وإن غيابه كان سيقود إلى وضع شديد الصعوبة في الكهرباء والطاقة. أهمية هذا الرأي أنه يصدر عن الشخص نفسه الذي نُسب إليه لاحقًا لفظ الوفاة، ما يوضح أن موقفه الثابت أقرب إلى التحذير من التراجع لا إلى إعلان النهاية الكاملة للحقل.
من حقل الاكتفاء الذاتي إلى اختبار صعب للاستدامة
ثم يفرض تاريخ الحقل نفسه هذا التحول في النقاش، لأن ظهر لم يكن مجرد اكتشاف عادي، بل كان الحقل الذي بنت عليه الدولة خطاب الاكتفاء الذاتي ومشروع المركز الإقليمي للطاقة. اكتشاف الحقل أُعلن في أغسطس 2015، ودخل الإنتاج في زمن قياسي، ثم ارتبط اسمه رسميًا باستعادة توازن سوق الغاز وتوقف استيراد الغاز المسال في تلك المرحلة.
وبعد سنوات من هذا الصعود، صار التراجع التدريجي في الإنتاج يضغط على الصورة التي رُسمت آنذاك. تقرير فايننشال تايمز عن أزمة الكهرباء والغاز في مصر أشار إلى أن آمال الاكتفاء الذاتي التي غذّاها ظهر تراجعت مع انخفاض الإنتاج وارتفاع الطلب، وأن مصر عادت إلى ضغوط الاستيراد والانقطاع، وهو ما يعني أن الحقل لم يعد قادرًا وحده على حمل الخطاب القديم.
كما أن صفقة زيادة واردات الغاز من حقل ليفياثان الإسرائيلي إلى مصر حتى 2029 تكشف أن الاكتفاء الذاتي لم يعد واقعًا مستقرًا يمكن الركون إليه. فايننشال تايمز ذكرت أن الاتفاق سيرفع التدفقات إلى نحو 12 مليار متر مكعب سنويًا، بما يعمق اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي في وقت تواجه فيه السوق المحلية نقصًا وإرباكًا متزايدًا.
وفي هذا الإطار، قال المهندس أسامة كمال إن انخفاض إنتاج بعض الحقول، ومنها ظهر، أمر طبيعي في الصناعة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في سرعة تعويض التراجع عبر اكتشافات جديدة وسداد مستحقات الشركاء بما يعيد النشاط الاستكشافي. هذا الرأي يضع النقطة الجوهرية في مكانها، لأن المشكلة لم تعد فقط في تراجع حقل قائم، بل في بطء تعويضه بحقول أخرى.
التحدي لم يعد في نفي الوفاة بل في إنقاذ مشروع الغاز كله
ثم يتسع الملف عندما يرتبط تراجع ظهر بفكرة "المركز الإقليمي للطاقة" التي روجت لها الدولة سنوات طويلة. فهذه الفكرة لم تقم على وجود حقل واحد فقط، لكنها اعتمدت عمليًا على وفرة الغاز المحلي وقدرة مصر على التسييل وإعادة التصدير. ومع تراجع إنتاج ظهر وارتفاع الاستهلاك المحلي، صار المشروع نفسه تحت اختبار قاسٍ على مستوى الجدوى والاستمرارية.
وبسبب هذا التحول، لم تعد عبارة "وفاة حقل ظهر" مجرد مبالغة إعلامية منفصلة عن الواقع، بل صارت تعبيرًا عن قلق واسع من تآكل أحد أعمدة سياسة الطاقة في مصر. حتى مع نفي مدحت يوسف لهذه الصياغة، بقيت الأسئلة قائمة حول حجم الاحتياطي القابل للاستخراج، وكلفة الحفر في المياه العميقة، وقدرة الدولة على تمويل الاستثمارات المطلوبة للحفاظ على الجدوى الاقتصادية للحقل.
كما أشار حمدي عبد العزيز، المتحدث الأسبق لوزارة البترول، في تصريحات إعلامية سابقة إلى أن الحقول العملاقة تمر بمراحل إنتاج تبدأ بالذروة ثم التراجع التدريجي، وأن الحفاظ على المستويات الإنتاجية يحتاج إلى استثمارات مستمرة. قيمة هذا الرأي أنه يؤكد أن الخطر لا يكمن في التراجع الطبيعي نفسه، بل في عدم امتلاك خطة سريعة وكافية لتعويضه.
وفي المستوى الدولي، يرى جوناثان ستيرن، الباحث في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، أن غاز شرق المتوسط، بما فيه الغاز المغذي لمعادلات مصر، يحتاج إلى حسابات دقيقة تتعلق بالبنية التحتية والتكلفة والطلب الإقليمي، وأن كثيرًا من مشروعات التصدير أو التحول إلى مراكز تجارة لا تنجح بالشعارات وحدها بل بالاستثمار طويل الأجل والجدوى الاقتصادية الصارمة. هذا الرأي يضع الجدل المصري داخل سياق أوسع يتجاوز خلافًا محليًا على تسمية الحقل.
وأخيرًا، لم يعد السؤال الجدي هو ما إذا كان مدحت يوسف قال لفظ "وفاة حقل ظهر" أم لم يقله، لأن هذه النقطة حُسمت بنفيه الصريح ووصفه العبارة بأنها غير علمية. السؤال الجدي الآن هو ما إذا كانت مصر قادرة على منع تحوّل التراجع الطبيعي في أكبر حقولها إلى تراجع استراتيجي في قطاع الغاز كله. فإذا استمرت الفجوة بين الإنتاج والطلب، واستمر الاعتماد على الاستيراد، وبقي الخطاب الرسمي أسير وعود قديمة، فإن نفي لفظ الوفاة لن يكفي لإخفاء حقيقة أكثر قسوة، وهي أن الحقل الذي حمل مشروع الاكتفاء الذاتي على كتفيه لم يعد وحده قادرًا على حمله من جديد.

