كشفت تجربة إسبانيا خلال ذروة أزمة الطاقة العالمية أن الدولة حين تريد الانحياز للمواطن تبدأ من جيبه مباشرة لا من خطابات التبرير، إذ خفضت مدريد أسعار النقل العام، ومددت تخفيضات ضرائب الكهرباء والغاز، وقدمت دعما للوقود ثم أعادت توجيهه، بينما سارت القاهرة في الاتجاه المعاكس تقريبا برفع أسعار الوقود والكهرباء والنقل تحت عنوان الإصلاح المالي والوصول إلى تغطية التكلفة.

 

النقل أولا حين قررت مدريد امتصاص الصدمة

 

أوضحت الحكومة الإسبانية أن دعم النقل لم يكن إجراء جانبيا بل قرارا اجتماعيا وسياسيا مقصودا، لذلك بدأت منذ عام ألفين واثنين وعشرين في ربط مواجهة الأزمة بتقليل الاعتماد على السيارة الخاصة، ثم مددت في يناير ألفين وخمسة وعشرين العمل ببطاقات مجانية لرحلات السكك الحديدية القصيرة والمتوسطة، مع دعم يقلص أسعار الاشتراكات الحضرية والمترو والحافلات بما لا يقل عن النصف للراكب المنتظم.

 

ولفت هذا المسار إلى أن مدريد لم تتعامل مع النقل كعبء مالي على الخزانة فقط، بل كوسيلة لحماية الأجور الفعلية من التآكل، لأن خفض تذكرة القطار أو الحافلة يقلل أثر ارتفاع الوقود على الأسرة العاملة مرتين، مرة بتقليل تكلفة الانتقال ومرة بتخفيف الطلب على البنزين. ولهذا ربطت الحكومة التمديد بهدف معلن هو خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري والانبعاثات معا.

 

ويرى الخبير الإسباني خوان لويس خيمينيث، أستاذ اقتصاديات النقل والطاقة، أن الدعم الواسع للوقود لم يكن مثاليا لأنه رفع بعض أسعار الديزل الصافية بعد تمرير جزء من الإعانة داخل السوق، وهو ما يفسر لماذا بدت سياسة النقل العام الجماعي أكثر كفاءة اجتماعيا من دعم السيارة الخاصة، إذ تحفظ دخل المواطن من دون تشجيع استهلاك أعلى للوقود المستورد.

 

الكهرباء والوقود في إسبانيا بين الخفض السريع والاستهداف الأدق

 

ويبين المسار الإسباني في ملف الكهرباء أن الحكومة بدأت بخفض ضرائب متعددة على الكهرباء، ثم مددت تخفيضات الضرائب على الكهرباء والغاز، وأقرت في ديسمبر ألفين واثنين وعشرين حزمة جديدة لمواجهة التضخم ركزت على حماية الفئات الأضعف، بعدما قدرت الحكومة مجمل الاستجابة بعشرات المليارات من اليورو لحماية الطبقة الوسطى والعمال من غلاء المعيشة والطاقة والغذاء.

 

وأكدت وثائق صندوق النقد الدولي الخاصة بإسبانيا أن هذه السياسة ضمت خفض ضرائب الكهرباء، ودعما لفواتير الغاز، ومساعدات مباشرة للنقل والزراعة والقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مع اعتبار عام ألفين وثلاثة وعشرين نقطة تحول نحو استهداف أفضل وحفاظ أكبر على الإشارات السعرية. وهذا يعني أن مدريد بدأت بإغاثة واسعة ثم اتجهت تدريجيا إلى فرز المستحقين بدقة أكبر من دون سحب الغطاء الاجتماعي دفعة واحدة.

 

وفي موازاة ذلك يرى نيكولاس أريجي، أحد معدي ورقة صندوق النقد عن تخفيف أعباء الطاقة في أوروبا، أن السياسة الأنجح هي التي تترك إشارة السعر تعمل حتى لا يزداد الاستهلاك، لكنها تعوض الفئات الضعيفة بصورة مستهدفة ومباشرة. وتظهر الحالة الإسبانية أنها اقتربت من هذا المسار حين أنهت الدعم الشامل للوقود ووسعت الأدوات الأكثر انتقائية في الكهرباء والنقل والدعم الاجتماعي.

 

مصر اختارت رفع الأسعار وربطت الحماية بالتقشف

 

وفي ظل الفترة نفسها تقريبا، اتجهت مصر إلى رفع أسعار الكهرباء والوقود بدلا من تخفيضها، إذ سجلت وثائق صندوق النقد أن السلطات رفعت أسعار الكهرباء في يناير ألفين وأربعة وعشرين بنسبة تراوحت بين سبعة وعشرين وعشرين في المئة بحسب الشرائح، ثم رفعت أسعار الوقود بالتجزئة في مارس من العام نفسه بين ثمانية وعشرين وعشرين في المئة، مع التزام معلن بالوصول إلى مستويات تغطية التكلفة.

 

وأشار هذا الاتجاه إلى أن الحكومة المصرية لم تفصل بين إصلاح المالية العامة وبين نقل الكلفة مباشرة إلى المستهلك، فبعد موجات رفع الوقود انعكس الأثر على النقل العام والخاص، ورفعت وزارة النقل أسعار تذاكر مترو القاهرة وبعض القطارات في أغسطس ألفين وأربعة وعشرين، كما أعلنت محافظات عدة في أكتوبر ألفين وأربعة وعشرين زيادات جديدة في تعريفة المواصلات بعد ارتفاع البنزين والسولار.

 

ويؤكد ذلك أن المقارنة هنا ليست بين دولتين واجهتا الأزمة بالأدوات نفسها، بل بين نموذج خفف أثر الصدمة على المستهلك ثم حاول ضبط كلفته المالية، ونموذج آخر أعطى أولوية واضحة لتقليص الدعم والوصول إلى الاسترداد المالي، ولو عبر زيادات متتالية في أسعار الطاقة والنقل. ويفسر هذا الفارق لماذا شعر الإسباني بأن الدولة تدخلت لحمايته، بينما شعر المصري أن الأزمة مرت أولا من فاتورته.

 

وترى إيفانا فلادكوفا هولار، رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، أن التزام القاهرة المعلن هو الوصول بأسعار الوقود إلى تغطية التكلفة بحلول ديسمبر ألفين وخمسة وعشرين، وهو تصريح يكشف جوهر المقاربة الرسمية نفسها. فحين يكون الهدف المعلن هو تغطية التكلفة لا تخفيفها عن المواطن، تصبح الزيادات المتلاحقة نتيجة منطقية، ويصبح أي دعم اجتماعي لاحق مجرد محاولة لامتصاص الغضب لا لتغيير اتجاه السياسة.

 

وأخيرا تنتهي المقارنة إلى خلاصة سياسية قبل أن تكون مالية، وهي أن إسبانيا استخدمت سلطة الدولة لتوزيع الصدمة بعيدا عن المواطن قدر الإمكان، فخفضت تذاكر النقل وخففت ضرائب الكهرباء وأعادت تصميم دعم الوقود حين ثبتت كلفته أو محدودية عدالته، بينما اختارت مصر تحميل الأسر جانبا أكبر من الأزمة عبر الرفع المتدرج للأسعار. لذلك تبدو التجربة الإسبانية منحازة للمجتمع، فيما تبدو التجربة المصرية منحازة لحسابات الجباية قبل أي شيء آخر.