بدأت المقاومة الفلسطينية اتصالات جديدة مع الوسطاء للدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بعدما تكاثفت اللقاءات السياسية في القاهرة وتكررت الرسائل التي تربط أي انتقال جدي بوقف الخروقات وتنفيذ الاستحقاقات المؤجلة.
وجاء هذا التحرك في لحظة حساسة، لأن الاتفاق لم يعد يواجه خلافًا على التفاصيل فقط، بل بات يواجه اختبارًا مباشرًا يتعلق بإمكان بقائه أصلًا إذا استمر التعطيل الإسرائيلي.
المقاومة تربط الانتقال بالتنفيذ لا بالإعلان
أوضحت المقاومة، في مواقفها التي نقلتها تقارير عربية حديثة، أن المرحلة الثانية لا يمكن أن تتحول إلى عنوان سياسي فارغ، لأن جوهرها يقوم على وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي أوسع وفتح المعابر وتوسيع إدخال المساعدات.
ولهذا بدا واضحًا أن الفصائل لا تناقش انتقالًا شكليًا، بل تطالب بترجمة البنود إلى إجراءات ميدانية محسوسة داخل القطاع.
ولفت هذا الموقف الانتباه إلى أن المقاومة تبني خطابها التفاوضي على ما تعثر في المرحلة الأولى، لا على وعود جديدة.
فالتقارير التي تابعت مسار الاتفاق تحدثت عن استمرار خروقات إسرائيلية واسعة منذ بدء التنفيذ، وهو ما جعل الحديث عن مرحلة جديدة يبدو، في نظر الفصائل، بلا قيمة ما لم يسبقه إلزام واضح للاحتلال بما تهرب منه سابقًا.
وفي هذا السياق، يرى الباحثة جولي نورمان، من برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، أن المرحلة الثانية ستفشل إذا لم ترتبط برؤية سياسية واضحة لفلسطين، لأن الوقائع على الأرض تكشف استمرار القتل وبقاء السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة وتدهور الوضع الإنساني.
ويعني هذا التقدير أن المقاومة حين تدفع نحو المرحلة الثانية فإنها تدفع، في الوقت نفسه، نحو تثبيت مضمون سياسي لا مجرد عنوان تفاوضي.
الوسطاء يحاولون منع الجمود من التحول إلى انهيار
وفي موازاة ذلك، تحرك الوسطاء، وخصوصًا مصر وقطر، على أكثر من مسار لتقليل فجوة الخلاف ومنع التباطؤ من التحول إلى انهيار كامل للاتفاق.
وأشارت تقارير متابعة إلى أن القاهرة أعادت تنشيط قنوات الاتصال مع الأطراف المعنية، بينما استمر الضغط الدبلوماسي لتثبيت الانتقال إلى المرحلة الثانية بوصفه خيارًا ضروريًا لا مجرد احتمال تفاوضي مؤجل.
ويبين هذا التحرك أن أزمة المرحلة الثانية لم تعد مسألة توقيت فقط، بل صارت أزمة ضمانات وشروط متعارضة.
فإسرائيل تربط التنفيذ بملفات تتعلق بنزع سلاح المقاومة وشكل الإدارة المقبلة في غزة، بينما يحاول الوسطاء الإبقاء على مسار يمنع استئناف الحرب.
ومن هنا تبدو الوساطة أقرب إلى إدارة اشتباك سياسي مفتوح، لا إلى مجرد رعاية تفاوض تقني محدود.
وأكد يوسي ميكلبرغ، الباحث في تشاتام هاوس، أن الصعوبة الحقيقية تبدأ مع المرحلة الثانية لأنها تفتح أسئلة السلاح ودور حماس السياسي وشكل القوة المدنية أو الدولية التي قد تتولى الترتيبات التالية.
وتكمن أهمية هذا الرأي في أنه يفسر لماذا تتكرر جولات الوساطة من دون اختراق حاسم، لأن أصل الخلاف لا يتعلق بآلية التنفيذ وحدها، بل بطبيعة المرحلة التي ستلي الحرب.
الخلفية الميدانية تفسر تشدد الموقف الفلسطيني
وفي ظل هذا التعثر، لا يمكن فصل البحث في المرحلة الثانية عن الخلفية الميدانية داخل غزة.
فالهدنة التي كان يفترض أن تخفف الضغط على السكان لم تنهِ الأزمة الإنسانية، كما أن الحديث عن الانسحاب وإعادة الإعمار ظل محكومًا بقيود عملية وسياسية شديدة.
ولهذا صار التمسك الفلسطيني بترتيب الأولويات نابعًا من واقع يومي ضاغط، لا من رغبة تفاوضية مجردة.
وأشار هذا الواقع إلى أن المرحلة الأولى لم تنتج الاستقرار الذي كان يفترض أن يمهد تلقائيًا للمرحلة التالية.
فحين تبقى المعابر موضع شد وجذب، ويظل الانسحاب ناقصًا، وتستمر الخروقات، فإن أي انتقال غير مضبوط يبدو وكأنه تجاوز للأزمة لا معالجة لها.
ومن هنا تحولت المرحلة الثانية، بالنسبة إلى المقاومة، من استحقاق تفاوضي إلى معركة على معنى الاتفاق نفسه.
ويرى يوسف منير، رئيس برنامج فلسطين وإسرائيل في المركز العربي بواشنطن، أن أي مسار لا يقدم أساسًا سياسيًا موثوقًا ولا يعالج اختلال القوة القائم سيظل معرضًا للتفكك عند أول اختبار.
ويضيف هذا التقدير بعدًا مهمًا لفهم الحذر الفلسطيني، لأن الفصائل تقرأ الانتقال إلى المرحلة الثانية بوصفه لحظة تأسيسية، لا خطوة عابرة يمكن ترميمها لاحقًا إذا انهارت.
ولفتت قراءات عربية أخرى، بينها تقديرات نقلتها الصحافة عن خبراء مثل السفير رخا أحمد حسن، إلى أن إسرائيل تستثمر الذرائع السياسية والأمنية لتعطيل الانتقال، بينما تحاول القاهرة تقليص هذه الذرائع وتوسيع الضغط على واشنطن لدفع تل أبيب إلى الالتزام.
ويعزز هذا الطرح فكرة أن مصير المرحلة الثانية لن يتحدد بالنصوص فقط، بل بحجم الضغط الذي يستطيع الوسطاء ممارسته فعلًا.
وأخيرا أكدت حركة التفاوض الجارية أن المرحلة الثانية لم تعد بندًا مؤجلًا داخل اتفاق وقف إطلاق النار، بل صارت معيارًا مباشرًا لقياس قدرة الوسطاء على انتزاع تنفيذ فعلي من الاحتلال.
وإذا استمر التعطيل الإسرائيلي، فإن الاتفاق سيفقد معناه السياسي والإنساني معًا، أما إذا فُرضت استحقاقات واضحة بضمانات ملزمة، فستكون هذه المرحلة بداية انتقال حقيقي من هدنة هشة إلى وقف أكثر ثباتًا يحد من العدوان ويفتح بابًا جديًا لإعادة ترتيب الواقع في غزة.

