قال علاء نصر، وكيل أول غرفة صناعة الأخشاب باتحاد الصناعات، إن قرار زيادة أسعار الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الخامات الأساسية، سيدفع السوق إلى موجة زيادات جديدة في الأسعار خلال الفترة المقبلة قد تصل إلى 35%. هذا التحذير يضع تكلفة الإنتاج في صدارة الأزمة، لأن المصانع والورش تواجه أعباء متراكمة، بينما لا تملك السوق المحلية قدرة مرنة على امتصاص زيادات متتالية في مدخلات التشغيل والتصنيع.
يربط قطاع الأخشاب بين الزيادة الجديدة في تعريفة الكهرباء وبين الارتفاع القائم في أسعار الأخشاب ومواد التشطيب والدهانات، لأن الصناعة تعتمد على الطاقة في تشغيل الآلات، وتعتمد في الوقت نفسه على خامات ارتفعت بالفعل بفعل الاستيراد وتقلبات السوق. لذلك تبدو الزيادة المرتقبة في الأسعار نتيجة مباشرة لمسار قائم، لا توقعًا منفصلًا عن حركة التكلفة داخل المصانع والورش والمعارض.
تعريفة الكهرباء الجديدة ترفع كلفة التشغيل من أول مرحلة إنتاج
وبحسب الأسعار الجديدة التي جرى تعميمها عبر منشور داخلي على شركات توزيع الكهرباء، بلغ سعر الكيلووات في الشريحة الأولى من 1 إلى 100 كيلووات نحو 1.62 جنيه، بينما وصل في الشريحة الثانية حتى 250 كيلووات إلى 2.16 جنيه. كما سجل سعر الكيلووات في الشريحة الثالثة حتى 600 كيلووات نحو 2.64 جنيه، وبلغ في الشريحة الرابعة حتى 1000 كيلووات نحو 2.74 جنيه.
ويعني هذا الهيكل السعري أن أي مصنع أو ورشة يعتمد على استهلاك يومي للكهرباء سيدفع فاتورة تشغيل أعلى من السابق، لأن الزيادة لا تتوقف عند بند إداري داخل الفاتورة، بل تنتقل إلى تكلفة الإنتاج نفسها. وتظهر هذه الزيادة بوضوح في الصناعات التي تستخدم ماكينات تعمل لساعات طويلة، ومنها صناعة الأخشاب التي تعتمد على الكهرباء في القطع والتجميع والتشطيب.
وأكد علاء نصر أن زيادة أسعار الكهرباء تؤثر بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج الصناعي، خاصة في القطاعات التي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة لتشغيل الآلات والمصانع. وأضاف علاء نصر أن أي زيادة في تكلفة الطاقة تنعكس فورًا على أسعار المنتجات النهائية، لأن المصنعين يسعون إلى الحفاظ على هوامش الربح وتقليل الخسائر في ظل ارتفاع تكلفة المدخلات الأساسية.
وفي السياق نفسه، قال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، إن ملف الكهرباء يرتبط بأعباء مالية متزايدة على الدولة، وهو ما يجعل قرارات رفع التعريفة جزءًا من مسار مستمر لا قرارًا استثنائيًا. ويعني هذا التقدير أن المصانع تتعامل مع زيادة الطاقة باعتبارها عنصرًا ثابتًا في حساب التكلفة المقبلة، لا زيادة مؤقتة يمكن تجاوزها من دون تعديل في أسعار البيع.
ارتفاع الخامات الأساسية يضاعف الضغط على صناعة الأخشاب والأثاث
ومع زيادة الكهرباء، يواجه قطاع الأخشاب عبئًا آخر يتمثل في ارتفاع أسعار المواد الخام الأساسية، سواء في الأخشاب المستوردة أو المحلية، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد التشطيب والدهانات. وهذه الزيادات ترفع تكلفة المنتج قبل وصوله إلى المعرض، لأن كل مرحلة من مراحل التصنيع أصبحت مرتبطة بسعر أعلى، من شراء الخامة إلى تشغيل المعدات وحتى إنهاء المنتج في صورته النهائية.
وأشار علاء نصر إلى أن هذه الزيادات تأتي في وقت يواجه فيه القطاع تحديات مرتبطة بتقلبات أسعار السوق العالمية ومعدلات الطلب المحلية. وهذا الربط مهم، لأن المنتج لا يواجه فقط خامات أغلى، بل يواجه أيضًا سوقًا أضعف قدرة على استيعاب الأسعار الجديدة. لذلك تصبح هوامش الحركة أمام المصنعين والورش أضيق، وتتحول كل زيادة جديدة إلى ضغط مباشر على سعر المنتج النهائي.
كما قال المهندس أحمد الزيات، عضو لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن الطاقة عنصر أساسي في حسابات الاستثمار والإنتاج الصناعي. ويكشف هذا التقدير أن أي زيادة في تكلفة الكهرباء لا تبقى داخل بند منفصل، بل تدخل في التسعير العام للمنتج. ومع ارتفاع الخامات في الوقت نفسه، تصبح صناعة الأخشاب أمام كلفة مزدوجة تدفع المنتجين إلى إعادة تسعير السلع المعروضة في السوق.
وفي السوق نفسها، قال محمد مسلم، رئيس نقابة صناع الأثاث في دمياط، إن المنتجين يحاولون الحفاظ على أسعار تناسب المستهلكين، لكن هذا المسعى يصبح أكثر صعوبة مع ارتفاع الكهرباء والخامات معًا. وتظهر هذه الصعوبة بوضوح في الورش والمصانع التي تعمل بهوامش محدودة، لأن هذه الكيانات لا تملك قدرة كبيرة على امتصاص الزيادة لفترة طويلة من دون تحميل جزء منها على أسعار البيع.
الزيادة تمتد من المصانع الكبيرة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة
ولذلك شدد علاء نصر على أن الزيادة في أسعار الكهرباء لن تؤثر فقط على الصناعات الكبيرة، بل ستمتد أيضًا إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتنبع خطورة هذا الامتداد من طبيعة القطاع الصناعي نفسه، لأن عددًا كبيرًا من الورش والمصانع الصغيرة يعمل في حلقات متصلة مع المصانع الأكبر، سواء في التصنيع المباشر أو في الأعمال المكملة أو في مراحل التشطيب والتوريد.
وعندما ترتفع تكلفة التشغيل على هذه المشروعات، تصبح الزيادة أكثر حدة لأنها تعتمد على دورة سيولة أسرع وعلى قدرة أقل على تخزين الخامات أو تحمل فترات طويلة من الضغط المالي. ولهذا السبب لا تبقى زيادة الكهرباء أزمة تخص مصنعًا كبيرًا وحده، بل تتحول إلى أزمة موزعة على سلاسل إنتاج كاملة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى التاجر والمستهلك داخل السوق المحلية.
وفي هذا الإطار، قال الباحث الاقتصادي أبو بكر الديب إن زيادات الطاقة تضيف ضغوطًا تضخمية واضحة على السوق، لأن تكلفة التشغيل الأعلى تنتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات. ويعزز هذا الرأي ما حذر منه قطاع الأخشاب، لأن المنتج الصناعي لا يواجه بندًا واحدًا مرتفعًا، بل يواجه مسارًا كاملًا من الزيادات يبدأ بالكهرباء ويمر بالخامات وينتهي عند السعر المعروض للمستهلك.
وبناء على ذلك، تبدو نسبة 35% التي تحدث عنها علاء نصر تقديرًا مرتبطًا بعناصر قائمة داخل السوق، لا رقمًا معزولًا عن الواقع الإنتاجي. فزيادة الكهرباء رفعت كلفة التشغيل، وارتفاع الأخشاب ومواد التشطيب زاد الضغط على الصناعة، وضعف الطلب المحلي حد من قدرة المنتجين على المناورة. ولذلك يصبح الاتجاه نحو رفع الأسعار نتيجة مباشرة لمسار اقتصادي واضح تتحمله السوق والمستهلك معًا.
وفي ختام هذا المشهد، طالب علاء نصر المنتجين والصناعات بالتخطيط المسبق لمواجهة أي زيادة إضافية في أسعار الطاقة والخامات، بهدف حماية السوق من موجة ارتفاعات مفاجئة. لكن الوقائع الحالية تشير إلى أن الخطر لم يعد مؤجلًا، لأن عناصر الزيادة تحققت بالفعل داخل الكهرباء والخامات. ولهذا تبدو السوق أمام مرحلة جديدة من الغلاء المنظم، تتحرك فيها الأسعار صعودًا تحت ضغط التكلفة لا تحت أي مبرر آخر.

