هدمت هيئة الطرق والكباري الثلاثاء الماضي مبنى متحف الفنان المصري نبيل درويش في سقارة، بعد سنوات من السجال والمناشدات التي طالبت بالإبقاء عليه أو إنقاذه بطريقة تحفظ طابعه.

ولم يكن ما جرى مجرد إزالة مبنى قديم في مسار مشروع مروري، بل كان إنهاءً مباشرًا لمكان ظل قائمًا لأكثر من أربعة عقود، وارتبط باسم واحد من أبرز المشتغلين بفن الخزف في مصر.

 

بدت مشاهد الهدم التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي شديدة القسوة في بساطتها، لأن الجرافات تعاملت مع المبنى كما لو كان عقبة إنشائية عادية في مسار توسعة طريق.

وخلال ساعات اختفى المكان الذي أسسه نبيل درويش عام 1983، والذي ظل مفتوحًا للمهتمين بفن الخزف، محتفظًا داخل جدرانه بآلاف القطع وبمكتبته وأدواته وتفاصيل حياته اليومية.

 

الهدم أنهى متحفًا تشكل عضويًا على مدى أربعين عامًا ولم يهدم مبنى منفصلًا عن معناه

 

جمع نبيل درويش داخل هذا المكان آلاف القطع الخزفية التي أنجزها بيده أو اقتناها، إلى جانب مكتبته وأدواته ومساحات العمل الخاصة به.

ولهذا لم يكن المتحف مجرد قاعة عرض أو مخزن لمقتنيات فنان راحل، بل كان سجلًا ماديًا حيًا لتجربة كاملة تشكلت تدريجيًا داخل المكان نفسه، وبقيت مفتوحة أمام الزوار والمهتمين بفن الخزف.

 

ثم بدأت أزمة المتحف قبل خمس سنوات، عندما أُدرجت المنطقة ضمن خطط تطوير مروري تستهدف توسيع الطريق الدائري، أحد أهم المحاور الرئيسية في العاصمة المصرية.

ومنذ تلك اللحظة، تحول الخطر من احتمال بعيد إلى مسار واضح، رغم المطالبات المتكررة التي تقدم بها فنانون ومثقفون بضرورة الحفاظ على المبنى أو نقله بطريقة تصون طابعه ولا تمحو علاقته بموقعه الأصلي.

 

كما حُسم الأمر في النهاية لصالح المشروع المروري، باعتباره جزءًا من خطة بنية تحتية لا تقبل التأجيل.

ويكشف هذا الحسم أن الدولة لم تتعامل مع المتحف بوصفه موقعًا ثقافيًا يحتاج إلى حل خاص، بل تعاملت معه بوصفه عنصرًا يمكن التضحية به إذا تعارض مع مسار الطريق.

وبذلك انتصرت آلية الإزالة الإدارية على أي اعتبار ثقافي أو رمزي أو تاريخي.

 

وفي هذا السياق، يظهر ما ظل يردده الناقد التشكيلي عز الدين نجيب عن أن حماية الذاكرة البصرية لا تبدأ من الاحتفاء بالفنان بعد رحيله، بل من حماية الأمكنة التي تحفظ تجربته كما تشكلت.

ويعطي هذا المعنى ما جرى في سقارة دلالته الكاملة، لأن المبنى المهدوم لم يكن إطارًا خارجيًا للفن، بل جزءًا من تكوينه اليومي ومن طريقة ظهوره واستقباله.

 

خصوصية سقارة والحرانية جعلت المكان جزءًا من الفن نفسه لا مجرد موقع قابلًا للاستبدال

 

لم يكن اختيار نبيل درويش لموقع متحفه في سقارة قرارًا عرضيًا أو مجرد تفضيل شخصي منفصل عن تجربته الفنية.

فقد جاء المكان على تخوم الصحراء وبالقرب من مناطق الحرف التقليدية في الحرانية، حيث تتجاور ورش الخزف والسجاد اليدوي، وتتشكل صلة مباشرة بين المادة الخام والعمل الفني والحياة اليومية.

وهذه العلاقة منحت المتحف خصوصيته التي يصعب فصلها عن جغرافيته.

 

ثم جعل هذا السياق من المتحف جزءًا من نسيج بصري وثقافي نشأ خارج التخطيط الرسمي المعتاد.

فالمكان لم يُبنَ بوصفه منشأة عرض حديثة في حي إداري أو مركز ثقافي معقم، بل نما داخل بيئة حرفية وحسية كان لها أثرها المباشر في التجربة.

ولهذا فإن خسارة المبنى لا تعني فقد الجدران وحدها، بل تعني أيضًا قطع الصلة بين الأعمال وبين المجال الذي نشأت فيه.

 

كما تبرز هنا مشكلة جوهرية في فكرة نقل المتحف إلى موقع بديل.

فوزارة الثقافة أعلنت بالفعل نقل المقتنيات مع خطط لإعادة عرضها ضمن مشروع جديد، لكن هذا الحل يظل ناقصًا بطبيعته، لأن ما يمكن حفظه هو القطع، لا العلاقة التي ربطتها بمكانها الأصلي.

والمتحف الفردي لا ينتقل كما تنتقل الشحنة، لأنه يقوم على تفاعل طويل بين الفنان والموقع والذاكرة.

 

وفي هذا الإطار، تبدو رؤية الخزافة والأستاذة سعدية بدوي ذات صلة مباشرة بما جرى، لأنها دافعت دائمًا عن أن فن الخزف لا يُفهم كاملًا خارج بيئته المادية ومساحة العمل التي يتشكل فيها.

وتمنح هذه الفكرة هدم متحف نبيل درويش بعدًا أشد خطورة، لأن الدولة لم تهدم مكانًا للعرض فقط، بل أزالت أحد الشروط التي كانت تمنح الأعمال معناها المرتبط بالموقع والهواء والمادة.

 

الدولة اختارت منطق الطريق على منطق الثقافة ثم قدمت النقل بوصفه تعويضًا لا يوازي الخسارة

 

لا يمكن تجاهل منطق الدولة في التعامل مع مشاريع البنية التحتية، خاصة في مدينة تعاني من ضغط مروري مزمن مثل القاهرة.

فالحكومة تطرح توسعة الطرق بوصفها ضرورة ملحة، لكن الإشكال لا يظهر عند إعلان هذه الضرورة فقط، بل يظهر عندما تتقاطع مع مواقع تحمل قيمة ثقافية خاصة، من دون وجود آليات واضحة وملزمة للموازنة بين حق الطريق وحق الذاكرة.

 

ثم تكشف حالة نبيل درويش أن الدولة لا تملك حتى الآن سياسة حقيقية للتعامل مع هذا النوع من التعارض.

فهي لم تطرح حلًا يضمن بقاء المكان، ولم تقدم مسارًا بديلًا يحفظه في موضعه، بل انتهت إلى إزالة المبنى ثم إعلان نقل مقتنياته لاحقًا.

وهذا الترتيب الإداري يعكس فهمًا يعتبر القطع الفنية أصلًا مستقلًا عن بيتها المتحفي، وهو فهم قاصر في حالة المتاحف الشخصية.

 

كما أن المتاحف التقليدية تبنى وفق تصور مسبق لقاعات العرض والإضاءة ومسارات الزوار وأنظمة الحفظ، بينما تتشكل المتاحف الفردية بطريقة عضوية لا تخضع لهذا المنطق.

فكل قطعة في متحف نبيل درويش كانت موضوعة في مكانها نتيجة تفاعل طويل مع حياة الفنان وعمله اليومي، لا وفق خطة عرض أعدت مسبقًا.

ولهذا فإن إعادة العرض في موقع جديد لا تعني استعادة المتحف نفسه.

 

وفي هذا المعنى، يوضح الفنان والناقد صلاح بيصار أن المتحف الشخصي ليس مجرد مجموعة مقتنيات بل بنية سردية متكاملة، تتداخل فيها الأشياء مع ترتيبها ومع المجال الذي يحيط بها.

وتكشف هذه الفكرة السبب الذي يجعل مشروع النقل حلًا جزئيًا فقط، لأنه قد ينجح في إنقاذ القطع من الضياع، لكنه لا يستطيع إعادة إنتاج السردية التي صنعها المكان الأصلي على مدى عقود.

 

بعد ذلك، تبدو الخسارة التي لحقت بالقاهرة مزدوجة. فالمدينة خسرت واحدًا من النماذج النادرة لما يمكن تسميته بالمتحف الشخصي، وخسرت أيضًا مثالًا نادرًا على علاقة لم تُقطع بين الفن والعمل اليدوي والحيز الجغرافي المحيط.

وحتى إذا نجح المشروع الجديد في الفسطاط في عرض أعمال الفنان بطريقة لائقة، فإن ما لن يعود هو ذلك التداخل الخاص بين الفن والمكان الذي منح المتحف معناه الحقيقي.

 

كما أن ما جرى يرسل رسالة سلبية إلى الوسط الثقافي كله، لأن الفنان يرى أن المكان الذي يمكن أن يكرس له حياته ويجمع فيه عمله وأرشيفه ومكتبته قد يزول في لحظة إذا تعارض مع مشروع طريق.

وهذه الرسالة أخطر من واقعة الهدم نفسها، لأنها تعني أن الدولة لا توفر ضمانة مستقرة لذاكرة الفن، حتى حين تكون هذه الذاكرة ملموسة وواضحة وقابلة للإنقاذ.

 

وأخيرًا، لا يبدو هدم متحف نبيل درويش واقعة معزولة في سجل العمران المصري، بل يبدو علامة إضافية على أن الدولة ما زالت تدير التعارض بين الطريق والثقافة بمنطق الإزالة أولًا والتبرير لاحقًا.

فقد هُدم المبنى، ونُقلت المقتنيات، وانتهى المكان الذي تشكلت فيه التجربة نفسها.

ولذلك فإن ما خسرته القاهرة هنا ليس مبنى فقط، بل نموذجًا كاملًا لعلاقة نادرة بين الفن والموقع والذاكرة، وهي خسارة لا يعوضها طريق أوسع ولا قاعة عرض أحدث.