ارتفعت كلفة الاقتراض الخارجي على مصر مرة أخرى في لحظة تقول فيها الحكومة إن الأوضاع تحت السيطرة، بينما تكشف أرقام السوق أن المستثمر الأجنبي يطلب سعرا أعلى لحمل المخاطر المصرية.
هذا التباعد بين الخطاب الرسمي وحركة التسعير ليس تفصيلا فنيا، لأن عقود التأمين على الديون والعقود الآجلة للجنيه تعطي مؤشرا مباشرا على ثقة السوق في قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها من العملة الصعبة دون كلفة إضافية.
تتزامن هذه التطورات مع خروج مليارات الدولارات من أدوات الدين الحكومية خلال مارس، ومع قفزة واضحة في سعر الدولار الآجل أمام الجنيه، ومع زيادة ملحوظة في سعر الصرف الرسمي خلال الشهر نفسه.
هذه الوقائع لا تشير إلى أزمة مكتملة فحسب، لكنها تثبت أن أي صدمة إقليمية جديدة تدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر المصرية بسرعة، حتى عندما تنجح الحكومة في تمرير إصدارات دين جديدة في الأسواق الدولية.
تأمين الديون يرتفع لأن السوق يعيد تسعير المخاطر السيادية
تسجل تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية نحو 4.37 بالمئة في العقود لأجل خمس سنوات بعد ارتفاعها بنحو 30 نقطة أساس يوم الاثنين، وفق البيانات المنشورة.
هذا المؤشر يعني ببساطة أن المستثمر يدفع مبلغا سنويا أعلى حتى يضمن تعويضا إذا تعثرت الدولة في السداد، ولذلك فإن صعوده يعكس زيادة مباشرة في تقدير السوق لاحتمال الخطر.
ثم تكشف المقارنة الزمنية أن المستويات الحالية تزيد بنحو 1.2 نقطة مئوية على ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب على إيران، حين هبطت تلك العقود إلى أقل من 3 بالمئة.
هذا الفارق لا يعبّر عن حركة عابرة، لأن السوق نقل مصر من نطاق أقل توترا إلى نطاق أعلى كلفة خلال فترة قصيرة، وهو ما يضغط على أي محاولة لخفض أعباء التمويل الخارجي.
لكن الحكومة نجحت رغم ذلك في إصدار سند مكمل لسندات قائمة بقيمة 540 مليون دولار لأجل ثماني سنوات بعائد 8.25 بالمئة، وهو ما يؤكد أن باب الاقتراض لم يغلق، لكنه يوضح في الوقت نفسه أن الدخول إلى السوق بقي مشروطا بعائد مرتفع.
ويرى فاروق سوسة، محلل غولدمان ساكس للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن الحرب وضعت التزام مصر بالسياسات التقليدية تحت الاختبار.
خروج الأموال الساخنة يضرب أدوات الدين ويكشف حدود الاعتماد عليها
تتعرض استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية لهزة كبيرة مع تقديرات بخروج ما بين 7 مليارات و8 مليارات دولار من السوقين الأولية والثانوية للدين الحكومي.
هذه الأرقام تعني أن جزءا مهما من التمويل السريع خرج بمجرد ارتفاع التوتر، وهو ما يبين أن اعتماد الحكومة على الأموال القصيرة الأجل يترك المالية العامة مكشوفة أمام تقلبات لا تملك الدولة السيطرة عليها.
وبعد هذا الخروج، لا تعود المشكلة محصورة في حجم الأموال المنسحبة فقط، لأن أثرها يمتد إلى أسعار الفائدة المحلية وسعر الصرف وقدرة الخزانة على تدوير الدين بشروط أقل كلفة.
ويقول إيلايجا أوليفيروس روزن، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في وكالة ستاندرد آند بورز جلوبال، إن فروق الفائدة عامل مهم، لكنه ليس العامل الوحيد، لأن التضخم وسعر الصرف والحسابات الخارجية والاستقرار السياسي تحكم التدفقات أيضا.
لذلك يبرز رأي علي حمودي، المستشار الاقتصادي، بوصفه توصيفا مباشرا لمعضلة السوق المصرية، إذ يؤكد أن تقلبات العملة والتضخم والعقبات البيروقراطية ترفع المخاطر على المستثمر وتضعف القدرة على جذب أموال مستقرة.
هذا التوصيف لا يضيف تحليلا إنشائيا، بل يربط بين الوقائع الجارية وبين سبب تردد المستثمر طويل الأجل، في مقابل هشاشة المستثمر السريع.
العقود الآجلة للجنيه تسجل تراجعا متوقعا للعملة بعد قفزة مارس
ترتفع العقود الآجلة للدولار أمام الجنيه المصري لأجل عام إلى نطاق بين 63.85 جنيها للشراء و64.4 جنيها للبيع خلال تعاملات يوم الاثنين.
هذا التسعير يعني أن السوق يتوقع مستوى أضعف للجنيه خلال الاثني عشر شهرا المقبلة مقارنة بالسعر الفوري، ولذلك فهو يقدم إشارة واضحة إلى أن الضغوط على العملة لم تنته مع تحسن محدود سابق في التدفقات.
ثم تفسر آلية هذه العقود سبب اتساع الفجوة بين السعر الحالي والسعر الآجل، لأنها تقوم على تثبيت سعر شراء أو بيع الجنيه في تاريخ مقبل وفق السعر الحالي مضافا إليه هامش يعكس فروق الفائدة والتوقعات المستقبلية للعملة.
هذا يعني أن السوق لا يسعر الجنيه بمعزل عن السياسة النقدية ولا عن المخاطر الخارجية، بل يربط بين الأمرين بصورة مباشرة.
وأخيرا، ارتفع الدولار بنحو 13.8 بالمئة أمام الجنيه خلال مارس، إذ أنهى الشهر قرب 54.52 جنيها للشراء و54.62 جنيها للبيع في تعاملات البنك المركزي، مقابل نحو 47.85 جنيها للشراء و47.99 جنيها للبيع في نهاية فبراير.
ويرى جيمس سوانستون، الخبير في كابيتال إيكونوميكس، أن تشديد السياسات وضعف الجنيه بعد الاتفاق مع الصندوق يضغطان على النمو، وهو ما يفسر حساسية السوق لأي نزوح جديد.
بهذا المعنى، لا تقدم مؤشرات التأمين على الديون والعقود الآجلة للجنيه صورة منفصلة، لأن الاثنين يكشفان أن السوق يعيد تقييم المخاطر المصرية من زاويتين متكاملتين، الأولى كلفة الاقتراض السيادي، والثانية توقعات العملة.
وبين الاثنين تظهر حقيقة أكثر صلابة من الخطاب الرسمي، وهي أن التمويل القصير ينسحب سريعا، بينما يبقى عبء الدين وسعر الصرف داخل الاقتصاد المصري لفترة أطول.

