واصل عمال شركة سيراميكا إينوفا، المعروفة سابقًا باسم الفراعنة، في المنطقة الصناعية بكوم أوشيم بمحافظة الفيوم، الإضراب الذي بدأوه يوم الأحد بعد صدور قرار بالعلاوة السنوية تراوح، وفق شهادات 3 عمال تحدثوا إلى المنصة، بين 200 و1000 جنيه فقط، بينما قال العمال إن غالبية الأجور ما زالت أقل من 6000 جنيه، رغم أن المجلس القومي للأجور قرر رفع الحد الأدنى للعاملين في القطاع الخاص إلى 7000 جنيه اعتبارًا من 1 مارس 2025.
العلاوة المحدودة فجرت غضبًا تراكم على مدار شهور
وقال أحد العمال في تصريحات صحفية إن العمال انتظروا قرار العلاوة منذ بداية العام لأنهم توقعوا أن يخفف من أزمة الرواتب، لكن قرار مجلس الإدارة صدر، بحسب روايته، بصيغة تربط الزيادة بعدم تحقيق بعض المصانع مستهدف إنتاج يبلغ 25000 متر سيراميك يوميًا، وهو ما اعتبره العمال تبريرًا لا يوازي ارتفاع الأسعار ولا يفسر بقاء أجور قدامى العاملين تحت 6000 جنيه.
وبعد صدور القرار مباشرة، بدأ الإضراب في الوردية الثانية يوم الأحد، ثم استمر في اليوم التالي، بينما قال العمال إن الإدارة امتنعت صباح الاثنين عن إرسال سيارات نقل العاملين من مراكز الفيوم إلى المصنع في محاولة لكسر الإضراب، لكن العمال توجهوا إلى مقر العمل بسيارات أجرة على نفقتهم الخاصة حتى لا تستخدم الإدارة الغياب ضدهم.
كذلك قال عامل ثان إن القرار تضمن، من وجهة نظر العمال، تحميلًا غير مباشر للعمال مسؤولية تراجع بعض خطوط الإنتاج، رغم أن المصانع التي لم تحقق المستهدف، بحسب روايته، كانت تعمل أحيانًا بأقل من طاقتها أو تواجه نقصًا في الخامات، وهو ما يعني أن الإدارة ربطت الأجر الفعلي بأسباب تنظيمية وإدارية لا يملك العامل السيطرة عليها.
وفي هذا السياق، قال كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، إن أزمة الحد الأدنى في مصر لا ترتبط فقط بإصدار القرارات، بل ترتبط أيضًا بضعف إلزام أصحاب الأعمال بالتنفيذ، محذرًا من أن معظم شركات القطاع الخاص لا تلتزم فعليًا بالتطبيق الكامل، وهو ما يفسر استمرار احتجاجات العمال رغم القرارات الرسمية المعلنة.
إدارة منقسمة ورواتب متأخرة وإضرابات متكررة منذ مطلع العام
بعد ذلك ربط عامل ثالث بين الإضراب الحالي وبنية الإدارة داخل الشركة، وقال إن العمال يتعاملون مع إدارة منقسمة بين مالك الشركة محمد فوزي وأبنائه من جهة، ورجل الأعمال أحمد عصام الذي استأجر أكثر من نصف مصانع الشركة في يوليو 2025 من جهة أخرى، وأضاف أن وعود تحسين الرواتب لم تنفذ، بينما استمرت سياسة صرف الأجور على شرائح وتأخير مواعيد الصرف.
ومن ثم رفع العمال المضربون مطالب محددة، إذ طالبوا بزيادة لا تقل عن 2000 جنيه حتى لا يقل أجر أي عامل عن 7000 جنيه، وطالبوا أيضًا بصرف الراتب دفعة واحدة بحد أقصى يوم 5 من كل شهر، لأن تأخير الأجر وتقسيطه، بحسب شهاداتهم، أصبح جزءًا ثابتًا من الأزمة ولم يعد خلافًا عابرًا يمكن فصله عن الإضراب الجاري.
كما يأتي هذا التحرك بعد سلسلة إضرابات سابقة داخل الشركة نفسها، إذ دخل العمال في 22 يناير 2025 في إضراب للمطالبة بصرف راتب ديسمبر 2024 وتطبيق الحد الأدنى السابق البالغ 6000 جنيه، ثم عادوا إلى الإضراب في 10 يونيو 2025 احتجاجًا على تأخر راتبي أبريل ومايو والمطالبة بزيادة سنوية لا تقل عن 1200 جنيه وتطبيق حد أدنى يبلغ 7000 جنيه.
وبالتوازي مع ذلك، قال مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، إن قانون العمل الجديد جعل قرارات الحد الأدنى للأجور ملزمة، وأكد أن العامل المتضرر يملك مسارًا للتظلم عند عدم التطبيق، بينما تفرض القواعد الجديدة عقوبات على المنشآت المخالفة، وهو ما يجعل استمرار الشكاوى في مواقع العمل دليلًا على فجوة بين النص القانوني والتنفيذ الفعلي داخل المصانع.
التأمين الصحي المتوقف وسجل الإجازات الإجبارية عمقا الأزمة الحالية
ثم اتسعت الأزمة أكثر عندما أوقفت هيئة التأمين الصحي في الفيوم، في يوليو 2025، الخدمات الطبية والعلاجية لنحو 2000 عامل بالشركة بسبب امتناع صاحب الشركة عن دفع الاشتراكات وتراكم مديونية بنحو 80 مليون جنيه، بحسب ما نقلته الشهادات الواردة في النص، وهو ما دفع العمال إلى إضافة عودة التأمين الصحي إلى قائمة المطالب الأساسية في الإضراب الحالي.
وبسبب هذا التوقف، قال العمال إن أصحاب الأمراض المزمنة، ومن بينهم من يحتاجون إلى علاج شهري أو جلسات علاج كيماوي، صاروا يشترون الأدوية على نفقتهم الخاصة بمبالغ تتجاوز أحيانًا 1000 جنيه شهريًا، بينما بقيت الأجور متدنية ومتأخرة، وهو ما نقل الأزمة من نزاع حول الرواتب فقط إلى نزاع يتعلق مباشرة بإمكانية استمرار العلاج والوصول إلى الخدمة الصحية.
وقبل ذلك كانت الإدارة قد أجبرت، بين يناير ومارس 2025، مئات العمال، بينهم 57 امرأة يمثلن كل العاملات بالشركة، إضافة إلى 130 عاملًا من ذوي الإعاقة ضمن نسبة 5%، على إجازات إجبارية بأجر أساسي فقط، لا يتجاوز ثلث الراتب الشامل السابق، كما فصلت من رفضوا القرار، وفق ما أورده النص بشأن تلك المرحلة.
وفي الإطار نفسه، قال الدكتور إيهاب أبو عيش، نائب رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، إن نظام التأمين يقوم على اشتراكات واضحة ويستهدف ضمان العلاج وتوسيع التغطية، بينما توضح الهيئة أن صاحب العمل يتحمل نسبة من اشتراك العاملين لديه، وهو ما يعني أن توقف السداد من جهة الشركة لا يبقى مسألة محاسبية داخلية، بل يتحول مباشرة إلى تعطيل حق العامل في العلاج المنتظم.
وأخيرًا يكشف الإضراب الحالي أن أزمة سيراميكا إينوفا لم تبدأ مع علاوة هذا الأسبوع، بل تراكمت منذ مطلع 2025 مع تعثر سداد الرواتب، وتدخل صندوق إعانات الطوارئ للعمال، وتراكم ديون الغاز التي قيل إنها قاربت مليار جنيه، وتأجير 3 مصانع، ثم توقف دعم الصندوق بعد التأجير، ولذلك جاء تحرك العمال الأخير بوصفه مواجهة مباشرة مع ملف أجور مؤجل وحق صحي معطل وتعهدات لم تنفذ.

