سمير الخالدي
إعلامي تونسي
بدأت القصة هذه المرة من تحذير أممي لا يترك مجالا للاستخفاف. فقد قدّرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا" أن الحرب الجارية ألحقت بالمنطقة العربية خسائر أولية تقارب 63 مليار دولار خلال أسبوعين فقط، أي ما يعادل 1.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، محذّرة من أن استمرار القتال لشهر واحد قد يرفع الفاتورة إلى نحو 150 مليار دولار، أي 3.7 في المئة من الناتج الإقليمي. والأخطر في التقرير ليس الرقم وحده، بل ما يقوله عن طبيعة الصدمة نفسها، إنها لم تعد مقتصرة على ساحة القتال، بل انتقلت إلى الطاقة والتجارة والطيران والأسواق المالية، بما يجعل الحرب أشبه بزلزال اقتصادي متعدد الارتدادات لا يقف عند حدود الدول المتحاربة.
هذه الأرقام مفزعة، لأنها تعني ببساطة أن المنطقة لا تواجه تكلفة حرب بالمعنى التقليدي، بل تواجه اختلالا في البنية التي يقوم عليها اقتصادها المعاصر مثل الممرات البحرية الحيوية وصادرات النفط والغاز واعتماد واسع على الاستيراد في الغذاء. لذلك فإن التقرير لا يَقرأ فقط ما خسرته المنطقة حتى الآن، بل يكشف حجم هشاشتها عندما تصبح الجغرافيا السياسية أقوى من الجغرافيا الاقتصادية.
الخليج في قلب العاصفة
يوضح تقرير "إسكوا" أن دول مجلس التعاون الخليجي تتحمل العبء الأكبر من الخسائر المالية المباشرة. وقد يبدو ذلك مفارقة للوهلة الأولى، لأن هذه الدول هي الأغنى والأكثر امتلاكا للاحتياطيات. لكن الحقيقة أن منطقة الخليج ليست مجرد منتج للنفط والغاز، بل هي عقدة الطاقة العالمية، ومركز موانئ وشحن وخدمات، وكل اضطراب في هذه الشبكة ينعكس فورا على البورصات والتأمين وثقة المستثمرين.
وتزداد الصورة قتامة حين ننتقل إلى الممر البحري الأخطر في العالم. فبحسب تقرير "إسكوا" فقد تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز بنسبة وصلت إلى 97 في المئة، من 137 سفينة يوميا إلى 5 سفن فقط، ما عطّل تدفقات بضائع بقيمة 2.4 مليار دولار يوميا ورفع خسائر التجارة في أول أسبوعين إلى نحو 30 مليار دولار، حسب التقرير. هذه الأرقام، وصف عملي لانقطاع الشريان الذي يمر عبره جزء أساس من نفط العالم وغازه وتجاراته. وعندما يختنق هذا الشريان لا يعود السؤال كم خسر الخليج؟ بل كم يمكن أن يخسر العالم إذا طال الاختناق؟
ومن الناحية الميدانية، فإن هشاشة هذه البنية ظهرت بوضوح مع اتساع الضربات على مرافق النفط والغاز عبر الخليج. فقد وثّقت رويترز استهداف وتعطّل منشآت في السعودية والكويت وقطر والإمارات والبحرين، وأشارت إلى أن الضربات أصابت مصافي ومحطات غاز ومرافئ تصدير، فيما قال الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة إن الهجمات الإيرانية عطلت سدس قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال، وهي طاقة تقدَّر قيمتها السنوية بنحو 20 مليار دولار، وقد يحتاج إصلاحها من 3 إلى 5 سنوات. هنا تتضح المعضلة، المنطقة العربية لا تخسر فقط عائدات حالية بل قد تخسر أيضا جزءا من قدرتها المستقبلية على الإنتاج والتصدير والثقة.
حين تنتقل الحرب من الجبهات إلى الأسعار والرواتب والمطارات
الأثر الاقتصادي للحرب لا يسير في خط واحد. فهو يبدأ من الطاقة لكنه لا ينتهي عندها. فالتقرير أشار إلى فرضية انخفاض حاد في إنتاج النفط في الدول المتضررة بمعدل 20 مليون برميل يوميا خلال الأسبوعين الأولين نتيجة الشلل اللوجستي، كما أشار إلى ارتباك إمدادات الغاز المسال، خصوصا من قطر التي توفّر 19 في المئة من احتياجات العالم، ما ساهم في قفزة كبيرة في أسعار الغاز بأوروبا. وفي موازاة ذلك، أُلغيت أكثر من 18400 رحلة جوية في 9 مطارات إقليمية رئيسة خلال 12 يوما، مع خسائر أولية لشركات الطيران قدّرتها "إسكوا" بنحو 1.9 مليار دولار، قابلة للارتفاع إذا طال أمد الحرب.
هذا يعني أن الحرب تسحق في الوقت نفسه القطاعات التي كانت تعوّل عليها عواصم عربية كثيرة في تنويع اقتصاداتها مثل السياحة والطيران والخدمات والتجارة والمشروعات غير النفطية. ولهذا جاء تحذير "إسكوا" من أن أحد السيناريوهين المرجعيين يفترض استمرار الحرب 30 يوما بما يقود إلى قفزة في التضخم وتباطؤ القطاعات غير النفطية في الخليج، بينما تواجه الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة فواتير وقود أعلى وضغوطا مالية أشد. وبعبارة أخرى، حتى الدول التي قد تستفيد نظريا من ارتفاع أسعار النفط لن تستفيد عمليا إذا تعطل التصدير أو تضاعفت كلفة التأمين والشحن والحماية، أما الدول المستوردة فستتلقى الضربة مضاعفة من باب الأسعار والعجز المالي معا.
ولعل أخطر ما في المشهد أن هذه الحرب تعيد إنتاج الانقسام العربي الاقتصادي على نحو قاسٍ. دول الخليج تخسر من باب الأصول والبنية التحتية والتجارة والاستثمار، والدول العربية الأقل دخلا تخسر من باب الغذاء والوقود والدعم المالي.
وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب قد يرفع التضخم ويخفض النمو عالميا، فيما لفتت تغطيات دولية إلى أن اضطراب صادرات الأسمدة والمواد الصناعية من الشرق الأوسط يهدد بدفع أسعار الغذاء إلى الأعلى، وهو ما يصيب المجتمعات الأفقر أولا. هنا يصبح المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف، سلة غذائه أغلى، وفرص عمله أقل، وقدرة دولته على دعمه أضعف.
نهاية الحرب وأي فاتورة ستبقى بعد وقف النار؟
السيناريو الأول وهو الأقل سوءا فهو التوقف السريع للحرب عبر تفاهم سياسي أو وقف نار هش. في هذه الحالة قد تُحتوى الخسائر الكبرى، وتبدأ حركة الملاحة والطاقة بالتعافي تدريجيا، لكن الآثار لن تختفي فورا. سيبقى التأمين مرتفعا، وستظل الأسواق تتعامل بحذر مع المنطقة، كما ستحتاج منشآت الطاقة والنقل المتضررة إلى أشهر، وربما سنوات، لاستعادة كامل قدرتها.
السيناريو الثاني هو حرب أطول لكن مضبوطة الإيقاع، أي استمرار الضربات المتبادلة من دون انفجار إقليمي شامل. وفي هذا السيناريو ستشعر الطبقات الوسطى والفقيرة أكثر من غيرها بالصدمة، لأن الحكومات ستجد نفسها أمام معادلة صعبة، هل تزيد الإنفاق للحماية الاجتماعية أم تحافظ على التوازنات المالية؟
أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فهو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع تمتد فيها الضربات إلى مزيد من البنى التحتية والممرات البحرية. عندها سنجد أنفسنا أمام إعادة رسم كاملة للخريطة الاقتصادية في المنطقة، فالموانئ ستفقد تنافسيتها، وأسواقها ستخسر ثقة المتعاملين، وشعوبها ستدفع ثمن حرب لا تملك قرارها. وفي هذا المشهد، لن يكون السؤال بالنسبة إلى المواطن العربي من ربح الحرب؟ بل لماذا ارتفع ثمن الخبز والوقود وكلفة الحياة؟ هذه هي الخلاصة التي يفرضها تقرير "إسكوا" الحرب على إيران ليست خبرا عسكريا فقط، بل إنذار مبكر بأن الاقتصاد العربي كله قد يدخل مرحلة حرجة من الاختبار، وأن المواطن البسيط هو من سيدفع الفاتورة الأخيرة إذا طال أمد النار.

