شريف أيمن
كاتب وصحافي مصري
تسبب العدوان الصهيو-أمريكي في أزمة طاقة عالمية، ولا تزال احتمالية حدوث صراع إقليمي غير مستبعدة إذا قصف ترامب منشآت طاقة إيرانية، وردَّت الأخرى باستهداف منشآت طاقة تشارك دول الخليج بنسب فيها أو تعتمد عليها لتوفير الطاقة المحلية، أو ماليّا بتصدير إنتاج هذه المنشآت، وحينها سيتحقق حلم نتنياهو بتغيير الشرق الأوسط.
إن المطلوب من الإيرانيين أن يحصروا المواجهة مع المحور الصهيو-أمريكي، وأن يتجنبوا استهداف المنشآت التي يستفيد الخليجيون منها بأي شكل من الأشكال، لتفويت الفرصة على العدو الذي يهدف إلى زيادة تمزيق المنطقة وتغيير حدودها وولاءات مجتمعاتها، فمشاعر الغضب من الجيران، أو حتى بعض العداوة، لا يجب أن تُعمي الأعين عن غاية أكبر؛ تتعلق بتوحيد الروابط الاجتماعية للأمة بعيدا عن انحيازات الحكام.
من هنا ينبغي أن يدرك الإيرانيون -الذين نتمنى لهم النصر- أن أساس انتصار المحور الصهيو-أمريكي يتعلق بتعميق شراكتهم وعلاقتهم مع دول الخليج والمنطقة، وزيادة عُزلة إيران عن محيطها، وتوصيفها كيانا محاربا أو معاديا، وهذا المسار يبدو أنه يلاقي درجة من النجاح على المستوى الشعبي، سواء بادّعاء أن الإيرانيين هاجموا أهدافا غير عسكرية على غير الحقيقة، كما في الصاروخ الأمريكي الذي أصاب حيّا سكنيّا في البحرين وأُلقي باللوم على الإيرانيين وقتها، أو إذا هاجم الإيرانيون بالفعل أهدافا غير عسكرية بذريعة أنها تؤوي أمريكيين أو مرتبطة بالمصالح الأمريكية. وما يعنينا ويشغلنا ألا تنجرف الشعوب في الخليج أو إيران نحو معاداة بعضها، فالأنظمة تتغير وتتغير توجهاتها، أما تغيير توجهات الشعوب يحتاج إلى سنوات طويلة ومشقة بالغة، وليس من مصلحة أحد أن يكون هناك عداء بين المكونات التاريخية للمنطقة.
ويجدر الانتباه إلى أن مناطق الاستعمار السابقة تحولت كلها إلى مناطق توتر، فالهند لديها توترات مع باكستان، وباكستان مع بنغلاديش، والصين مع اليابان وهونغ كونغ، والفلبين مع ماليزيا، وفي منطقتنا يوجد كيان الاحتلال الذي يُشعل المنطقة دوما، كما تُثار نعرة السنة والشيعة والمسلمين والمسيحيين، وفي شرق أفريقيا تتوتر العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا، فضلا عن الحروب الأهلية المستعرة في العديد من دول القارة نتيجة تقسيم الاحتلال الأوروبي للدول الأفريقية بصورة تثير نزاعات الأعراق والقبائل، وهي التي تدير النظام الاجتماعي لا الدولة القومية كما في أوروبا، وغير ذلك من صور إشعال التوتر في مناطق العالم الثالث كافة بعد ما يُسمّى "الاستقلال عن الاستعمار".
هذه الحالة يراد استمرارها في أنحاء العالم كافة، وبالطبع منطقتنا ليست بمعزل عنها، بل هي في قلب هذه الثقافة والفلسفة، باعتبار الجامع الثقافي لشعوب هذه المنطقة، وثرائها الشديد، وتحكمها في ممرات تجارية يمكنها أن تشل الاقتصاد العالمي كله وشبكات الاتصالات العالمية، فكان لا بد من تفكيك الجامع الثقافي وتعزيز التوترات المذهبية والطائفية، وقد انخرطت جميع الدول في عملية التفكيك هذه، إما بدافع العروبة أو القومية أو المذهب أو الدين. واليوم يتيح العدوان الصهيو-أمريكي نافذة مهمة لتحقيق هذا التوجه المدمِّر، وإذا كانت الرغبة الإيرانية في رفع الكلفة الاقتصادية للحرب لإنهائها هدفا مفهوما، فإن تحقيق هذه الغاية لا يكون باستهداف أماكن غير عسكرية خاصة المنشآت الاستراتيجية للدول الجارة.
قد يُجادل الإيرانيون بأن أعداد الوفيات في الدول الخليجية لا يجاوز 20 فردا منذ بدء الحرب، ما يعني أن الاستهداف لا يُراد به مواطنو تلك الدول، وهذا قد يبدو صحيحا بحسب السياق العام لعمليات الاستهداف، إذ تجاوزت الهجمات الإيرانية على مناطق في تلك الدول خمسة آلاف هجمة، بحسب قناة العربية، ومع ذلك فإن روحا واحدة تُزهق لا تُعد رقما في السياق الشعبي، ولها قدسيتها ومكانتها، وبالتالي تتحول هذه الروح إلى سخط عام بين مواطني تلك الدول، لذا ينبغي الانتباه إلى هذا المآل الذي يستهدفه المحور الصهيو-أمريكي.
ما نلحظه من الخطاب الرسمي أن الخليج يتعامل مع إيران بوصفها عدوّا، فمثلا قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان عقب الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية في 19 مارس: "إذا لم تتوقف إيران فورا عن توجيه هذه الاعتداءات فلن يكون هناك أي شيء يمكنه أن يستعيد الثقة معها"، و"التصعيد الإيراني سيقابله تصعيد في الجهة المقابلة، سواء عبر الموقف السياسي أو غيره". وقال إن "إيران لم تكن يوما شريكا استراتيجيّا للمملكة، وكان يمكنها أن تصبح كذلك لو تخلت عن أفكار الهيمنة الإقليمية وتصدير الثورة واستخدام القوة".
أما الإمارات فقد أصبحت لغة بياناتها الرسمية تصف الاعتداءات الإيرانية بـ"الإرهابية" وهو وصف ليس مرتبطا بالهجمات على أراضيها، بل هي عملية تماهٍ مع الوصف الصهيوني-الأمريكي للنظام الإيراني، وآية ذلك، أن كاتب السطور راجَعَ بيانات الخارجية الإماراتية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 2023، ولم يجد بيانا وصفت فيه هجمات الكيان المحتل في غزة بأنها هجمات إرهابية، ما يؤكد أن للمصطلح دلالة سياسية تتجاوز الهجمات على أراضيها.
وانضم لبنان إلى الخط العام وطرد السفير الإيراني، وسحب سفيره من إيران، وهي خطوة ستعمِّق الانقسام الداخلي، وقد ينضم الأردن ودول خليجية أخرى لتلك الخطوات لاحقا، فضلا عن إجراءات قطر والسعودية بحق بعض أفراد البعثة الإيرانية على أراضيهم، وبالتالي قد تتحول نتائج الحرب إلى عداء رسمي كامل ومبرَّر شعبيّا، بعدما كان العداء مع إيران محصورا في الجانب الرسمي، وهو ما ينبغي على الإيرانيين تفويته، والرجاء من الحكام العرب ألا يزيدوا في تماهيهم مع المحور الصهيو-أمريكي ويكونوا أداة بوَعْيٍ أو بغير وعي في هذه الترتيبات. ونذكر جيدا المقابلة المشهورة بين الرئيس العراقي صدام حسين والسفيرة الأمريكية أبريل غالاسبي قبيل غزوه للكويت، وقالت فيها لصدام: "لا نملك أي رأي حول الصراعات العربية-العربية مثل خلافاتك الحدودية مع الكويت"، و"إن قضية الكويت ليست مرتبطة بأمريكا". فشجَّعت صدام لغزو الكويت، ونتيجة هذا الغزو تغيرت المنطقة وصارت قراراتها بيد الولايات المتحدة الأمريكية التي تنتشر قواعدها فيها بعد هذا الغزو.
هذا التصور ليس من باب الهيام بنظريات التآمر، ولكنه تقليب في صفحات التاريخ الذي يتكرر غالبا، وهناك من يتنبَّه لدروسه ويتجاوزها، وهناك من يقع في الأخطاء ذاتها. واليوم إما أن يقف الخليج ودول عربية أخرى في كنف حماية أمريكية كاذبة، إذ هي في الحقيقة تحمي كيان الاحتلال؛ العدو الرئيسي للمنطقة، وهو الكيان الذي يُعلن وزراؤه وحكومته رغبتهم في التوسع واحتلال أراضٍ عربية شاسعة تبتلع فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وأجزاء من مصر والسعودية والعراق، ولا تفعل إيران ذلك، وإما أن تفوِّت إيران ودول الخليج والمنطقة الفرصة على هذا المحور الصهيو-أمريكي، فتعيد الأولى حسابات ردود أفعالها، مع الإيمان بحقها الكامل في الرد ودفع العدوان، ويقوم الآخرون بإعادة تقييم مفهوم الحماية الأمريكية، وما يترتب عليه من استثمارات في الصناديق الاستثمارية الخارجية، ولعل من المفيد هنا الاستماع إلى تقييمات الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري السابق، وهو أحد أبرز الساسة في فهم تعقيدات أمور المنطقة.
هذه الحرب قد تمثِّل فرصة خليجية لإقامة تحالف خليجي-خليجي، أو خليجي-عربي، بعيدا عن أي حماية خارجية، إذ اعتمدت الحماية الخارجية على استنزاف ثروات الخليج وابتزازه، كما ينبغي أن تعزز كل دولة خليجية قوتها لتكون وحدها قادرة على مواجهة التحديات المحيطة بها في حال وَجَدت نفسها دون ظهير إقليمي أو دولي، فما قدمته دول الخليج ثمنا للحماية، يمكنها أن تقدمه لتعزيز قوتها العسكرية والسياسية ورفاهية شعوبها، وبالتالي ستكسب استقلال قرارها من جهة، وستنفق أموالها في الداخل بما يعزز من حكمها ورضا شعوبها عن الحاكمين.

