مع اتساع القصف الأمريكي والإسرائيلي على البنية التحتية الإيرانية والمنشآت النووية، عاد سؤال ثقيل إلى الداخل المصري: هل يمكن أن تدفع مصر ثمن حرب لا تشارك فيها إذا تعرّض مفاعل ديمونة أو منشآت إيرانية لضربة مباشرة تُنتج تسربًا إشعاعيًا عابرًا للحدود؟

 

السؤال مشروع. والقلق مشروع. لكن الأخطر أن الملف يُترك غالبًا بين التهويل والطمأنة المرتجلة، من دون خطاب رسمي تفصيلي يشرح للناس حجم الخطر الفعلي، وحدود الأمان، وخطط الطوارئ إذا ساءت الأمور. ما تقوله المصادر العلمية المتاحة حتى الآن إن مصر ليست في بؤرة التأثر المباشر في السيناريوهات المرجحة، لكن هذا لا يلغي أصل الفضيحة: المنطقة كلها تُدفع إلى حافة كارثة نووية محتملة بينما تكتفي الحكومات بالانتظار.

 

مصر خارج المسار المرجح.. لكن القلق ليس وهمًا

 

الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية واستصلاح الأراضي بجامعة القاهرة، قال إن تقييم أثر أي تسرب إشعاعي من ديمونة يجب أن يبنى على حركة الرياح السائدة لا على الانفعال السياسي. ووفق تصريحه المنشور، فإن الرياح التي تصل إلى مصر تكون في الأغلب شمالية غربية، وتتحول في فترات محددة إلى جنوبية شرقية قادمة من السودان وشرق أفريقيا، وهو ما يضع مصر غالبًا خارج المسار المباشر لأي سحابة محتملة من الشرق أو الشمال الشرقي. هذا عامل أمان مهم، لكنه ليس تصريح براءة مفتوحًا للحرب.

 

معنى ذلك أن الجغرافيا تخفف الخطر، لا أنها تلغيه من الحساب. لأن أي حادث نووي لا يُقرأ فقط بالمسافة، بل بطبيعة الانبعاث، وحجم الضرر في موقع الاستهداف، وسرعة الرياح، وطبقات الجو، وزمن بقاء المواد المشعة. لذلك فإن الحديث العلمي الجاد لا يقول إن مصر “مستحيل” أن تتأثر، بل يقول إن التأثر المباشر غير مرجح في السيناريو المعتاد، وإن هذا الاحتمال ينخفض أكثر بسبب اتجاهات الرياح السائدة. الفرق هنا جوهري بين تقييم علمي رصين وبين تطمين سياسي كسول.

 

الدكتور أمجد الوكيل، رئيس هيئة المحطات النووية السابق، قدّم تقديرًا موازيًا في تصريحات منشورة بعد الضربة قرب ديمونة. قال إن أسوأ سيناريو يتمثل في تسرب إشعاعي نتيجة تضرر أنظمة التبريد أو الاحتواء، لا في “انفجار نووي” بالمعنى الشعبي الشائع، وأشار إلى أن مصر تمتلك منظومة رصد إشعاعي قومية تعمل على مدار الساعة، وأن المسافة بين ديمونة والحدود المصرية، ثم بينه وبين القاهرة والدلتا، تمنح المواد المشعة مساحة للتشتت والانخفاض في التركيز مع الحركة الجوية. هذه نقطة مطمئنة، لكنها تطرح سؤالًا سياسيًا آخر: إذا كانت المنظومة موجودة، فأين الخطاب الرسمي الشفاف الذي يضع الناس أمام الحقائق؟

 

المنشآت الإيرانية أبعد.. لكن الحرب النووية لا تعرف الحدود

 

في ما يخص إيران، جاءت تقديرات الدكتور سعيد سليمان، أستاذ الوراثة بجامعة الزقازيق، أكثر وضوحًا. الرجل قال إن مصر لن تكون ضمن المناطق المتأثرة مباشرة إذا استُهدفت المفاعلات الإيرانية، وإن البعد الجغرافي الكبير يمثل عامل أمان أساسي يجعل وصول أي تسرب إشعاعي إلى الأراضي المصرية ضعيفًا للغاية، بل يكاد يكون منعدمًا وفق المعطيات الجغرافية الحالية. هذا التقدير يتسق مع بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في وقائع سابقة، إذ أكدت عدم وجود أثر إشعاعي خارجي على السكان والبيئة خارج موقع نطنز بعد الهجمات، رغم وجود تلوث داخل المنشأة نفسها.

 

سليمان لم يكتفِ بالإشارة إلى البعد الجغرافي. بل شدد أيضًا على أن انتقال آثار إشعاعية إلى مسافات بعيدة يخضع لعوامل مركبة، في مقدمتها المسافة، واتجاهات الرياح، وطبيعة الانبعاث نفسه. لذلك فإن وقوع حادث داخل الأراضي الإيرانية لا يعني تلقائيًا امتداد أثره إلى مصر. لكن ما قاله عن ديمونة لا يقل أهمية. فهو أقر بأن استهداف المفاعل الإسرائيلي قد يسبب أضرارًا بيئية كبيرة في محيطه والمناطق القريبة منه، وربما داخل نطاقات إقليمية محدودة، لكنه استبعد أن تكون مصر في قلب هذا التأثير المباشر. هذا تقييم علمي، لا تصريح سياسي لتسكين الخوف.

 

وتبقى المفارقة أن هذا التقدير المطمئن نسبيًا لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتراخي. لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عادت أكثر من مرة لتؤكد أن المنشآت النووية يجب ألا تُهاجم أبدًا، وأن أي استهداف مسلح لها قد يفضي إلى انبعاثات إشعاعية ذات عواقب جسيمة داخل حدود الدولة المستهدفة وخارجها. المعنى هنا واضح ومباشر: حتى إذا كانت مصر خارج المسار المرجح الآن، فإن اللعب بالنار النووية في الإقليم كله يرفع مستوى الخطر على الجميع، ويجعل الأمن البيئي والصحي رهينة لقرارات عسكرية متهورة.

 

المشكلة ليست في الرياح فقط.. بل في إدارة الخطر والصمت الرسمي

 

الزاوية الأخطر في هذه القضية ليست علمية فقط. هي سياسية أيضًا. فالمصريون يسمعون من الخبراء أن اتجاهات الرياح تمنحهم هامش أمان، وأن البعد الجغرافي يحد من انتقال التلوث، لكنهم لا يسمعون بالقدر نفسه من الدولة أين خرائط الإخلاء، وكيف تعمل شبكات الرصد، وما الذي سيجري في شمال سيناء والدلتا إذا وقع أسوأ احتمال. هكذا يتحول الملف من مسألة أمان إشعاعي إلى مسألة ثقة عامة. الناس لا تخاف من التسرب وحده. الناس تخاف من إدارة مرتجلة للأزمة إذا حدثت.

 

والثابت من مجمل التقديرات المتاحة أن مصر ليست في بؤرة التأثير المباشر سواء في سيناريو ضرب منشآت إيران أو حتى في سيناريو استهداف ديمونة، لأن الرياح السائدة لا تدفع عادة الملوثات من الجانب الإسرائيلي إلى العمق المصري، ولأن المسافة مع إيران كبيرة للغاية، ولأن التسرب الخارجي ليس نتيجة آلية لكل ضربة. لكن الثابت أيضًا أن الخطر القريب على المنطقة المحيطة بديمونة أو المنشآت الإيرانية يبقى قائمًا، وأن أي تصعيد نووي يظل حدثًا عالي الكلفة وغير مضمون العواقب. لذلك فإن أخطر ما في اللحظة الحالية ليس فقط احتمال الحادث، بل اعتياد المنطقة على فكرة أن قصف المنشآت النووية صار أمرًا عاديًا.

 

الخلاصة أن المخاوف المصرية ليست بلا أساس، لكنها أيضًا ليست مفتوحة على سيناريو كارثي مباشر وفق المعطيات العلمية المنشورة حتى الآن. هذا ما يقوله نادر نور الدين وسعيد سليمان وأمجد الوكيل، مع اختلاف في التفاصيل واتفاق في الجوهر. مصر تبدو خارج خط الإصابة الأول. لكن ذلك لا يبرر الصمت الرسمي ولا يبرر التعايش مع حرب تضرب منشآت نووية في الإقليم. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تصل السحابة إلى مصر؟ بل أيضًا: لماذا تُترك شعوب المنطقة كلها رهينة مقامرة عسكرية قد تتجاوز في لحظة واحدة كل حسابات الرياح والمسافة؟