تتفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، مع استمرار أزمة الوقود والكهرباء التي باتت أحد أبرز ملامح الحياة اليومية لسكان القطاع المحاصر، في ظل تداعيات حرب مدمّرة استمرت لأكثر من عامين وألحقت أضرارًا جسيمة بكافة البنى التحتية الحيوية.

ويعيش أكثر من مليوني فلسطيني في غزة تحت ضغط متزايد نتيجة انهيار شبه كامل لمنظومة الطاقة، حيث أصبحت المولدات التجارية المصدر الرئيسي للكهرباء بعد تدمير شبكة الكهرباء العامة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في تكلفة الحصول على التيار الكهربائي، بما يفوق قدرة غالبية السكان.

قفزة صادمة في أسعار الكهرباء
وفق إفادات محلية، ارتفع سعر الكيلو الواحد من الكهرباء من نحو 2.5 شيكل قبل الحرب إلى ما بين 20 و30 شيكلًا حاليًا، أي ما يعادل زيادة تقارب عشرة أضعاف. هذا الارتفاع الحاد جعل الكهرباء سلعة شبه كمالية، في وقت يعاني فيه السكان أصلًا من أوضاع اقتصادية متدهورة وانعدام مصادر الدخل.

وباتت آلاف الأسر عاجزة عن تسديد فواتير الكهرباء، ما اضطرها للعيش في الظلام أو تقنين استخدام الطاقة إلى الحد الأدنى، بما يؤثر على مختلف مناحي الحياة، من تخزين الغذاء إلى تشغيل الأجهزة الطبية.

الوقود.. أزمة لا تقل قسوة
ولا تقل أزمة الوقود حدة عن أزمة الكهرباء، إذ يشهد القطاع شحًا كبيرًا في الإمدادات، وسط ارتفاع قياسي في الأسعار. فقد وصل سعر لتر السولار خلال ذروة الحرب إلى نحو 90 شيكلًا، قبل أن يتراجع نسبيًا مع دخول كميات محدودة، لكنه لا يزال يسجل نحو ثلاثة أضعاف سعره السابق.

هذا الارتفاع انعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل وأسعار السلع، مما زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين، وأدى إلى شلل جزئي في العديد من القطاعات الاقتصادية والخدمية.

الغاز المنزلي.. رفاهية مؤجلة
أما غاز الطهي، فقد تحول إلى مورد نادر، حيث تلجأ العديد من العائلات إلى استخدام الحطب والأخشاب كبديل بدائي للطهي، في مشهد يعكس حجم التدهور في مستوى المعيشة.

ويحصل المواطنون حاليًا على أسطوانات غاز بسعة 8 كيلو فقط، يتم توزيعها وفق نظام حصص يمتد أحيانًا إلى شهرين أو ثلاثة، في حين كان الحصول عليها قبل الحرب يتم بشكل فوري تقريبًا، وبمعدل استهلاك أسري منتظم.

إمدادات محدودة لا تلبي الاحتياجات
ورغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار يتضمن بروتوكولًا إنسانيًا يسمح بإدخال الوقود، فإن الكميات الفعلية التي دخلت القطاع لا تتجاوز 14.7% من الاحتياجات المفترضة. وتشير بيانات رسمية إلى دخول 1190 شاحنة وقود فقط، من أصل 8050 شاحنة كان من المفترض دخولها خلال 161 يومًا.

وينص الاتفاق على إدخال 50 شاحنة وقود يوميًا، إلا أن الواقع يعكس فجوة كبيرة بين الالتزامات والتطبيق، مما يبقي الأزمة قائمة بل ومتفاقمة.

احتياجات ضخمة وعجز متواصل
وتقدّر الجهات المختصة حاجة القطاع الشهرية بما بين 350 و400 شاحنة غاز، إضافة إلى نحو 15 مليون لتر من السولار و2.5 مليون لتر من البنزين. في المقابل، لا تتجاوز الكميات الواردة حاليًا 100 شاحنة غاز شهريًا، إلى جانب نحو 3 ملايين لتر فقط من الوقود التجاري.

وتُخصص معظم هذه الكميات المحدودة للقطاعات الحيوية كالمستشفيات والخدمات الأساسية، بينما تظل حصة السوق المدني ضئيلة للغاية، ما يزيد من حدة الأزمة في الحياة اليومية للسكان.

انعكاسات كارثية على الحياة اليومية
أدى هذا العجز الكبير إلى تعطّل أو تقليص عمل العديد من المنشآت الاقتصادية والخدمية، حيث تعتمد بعض المؤسسات على شراء حصص الغاز المخصصة للمواطنين أو المحطات، في محاولة للاستمرار بالحد الأدنى.

كما ساهمت تكاليف النقل المرتفعة، وصعوبات التنسيق، وشح الإمدادات، في تضخم الأسعار بشكل عام، ما فاقم من أزمة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.