تتصدر عمال وبريات سمنود واجهة المشهد العمالي بمحافظة الغربية بعد سلسلة من التحركات المطلبية الرامية لانتزاع الحقوق المالية المتأخرة. شهدت أروقة الشركة خلال الأيام القليلة الماضية توقفات احتجاجية منظمة نفذها عمال الوردية الثانية بقسم النسيج. جاء هذا التحرك نتيجة مباشرة لإبلاغ الإدارة للكوادر العمالية بعدم توافر السيولة النقدية الكافية لصرف كامل مستحقات شهر فبراير. اكتفت الشركة بصرف دفعة أولى لم تتجاوز 2800 جنيه لكل عامل مما فجر موجة من الغضب المكتوم داخل الأقسام الإنتاجية المختلفة.

 

توسع الاحتجاجات وفشل صرف الرواتب

 

توسعت رقعة الاحتجاجات داخل شركة عمال وبريات سمنود لتشمل أقسام الفحص والملابس تزامنًا مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة واقتراب المناسبات الدينية التي ترفع وتيرة الإنفاق الأسري. تشير البيانات التراكمية إلى أن الأزمة الحقيقية بدأت تتفاقم منذ أغسطس الماضي حين تقرر تطبيق الحد الأدنى للأجور وما تبعه من سياسة صرف الرواتب على دفعات مجزأة. تحركت جهات إدارية من مديرية العمل للتفاوض المباشر مع المضربين لضمان استئناف العملية الإنتاجية. انتهت الجولة بصرف 1000 جنيه إضافية لكل كادر عمالي ثم استكمال باقي الرواتب.

 

يحذر د. مراد علي، أخصائي الاستثمار، من "سيطرة الجيش على 40-60% من الاقتصاد تطرد المستثمرين وتؤدي لفشل صرف الرواتب". يؤكد علي أن الشركات العامة تعاني نقص سيولة بسبب سوء الإدارة. يدعو لخروج المؤسسات العسكرية من الاقتصاد. يهدد ذلك آلاف العمال بفقدان حقوقهم.

 

تحديات التأمين الصحي والمديونيات

 

تواجه منظمة عمال وبريات سمنود تحديًا قانونيًا وإنسانيًا جسيما يتمثل في توقف خدمات الهيئة العامة للتأمين الصحي عن تقديم الأدوية أو إجراء الجراحات اللازمة. تعود جذور هذه الأزمة إلى امتناع إدارة الشركة عن توريد حصص التأمينات الاجتماعية منذ ما يزيد على 20 عامًا رغم الاستقطاع الشهري المنتظم من أجور العاملين. أدى هذا التراكم المالي الضخم إلى حرمان العمال من أبسط حقوقهم العلاجية منذ يناير الماضي. تنتظر القواعد العمالية تحركًا جذريًا لإنهاء هذا الملف الذي يؤرق مئات الأسر التي تعتمد كليًا على المنظومة الصحية الرسمية.

 

يصف هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، سرقة التأمينات بـ"حقوق مهدرة للعمال". يؤكد توفيق أن الاستقطاعات تذهب لجيوب الفاسدين. يطالب بمحاسبة الإدارات. يهدد 500 عامل بالموت ببطء بدون علاج.

تاريخ الإضرابات والظروف الإقليمية

 

سجلت ذاكرة الاحتجاجات لدى عمال وبريات سمنود مواقف مشابهة حيث شهد شهر مارس من العام الماضي إضرابًا للمطالبة بصرف العلاوات السنوية المتوقفة. سبق ذلك تحرك واسع قبل عامين للمطالبة بإقرار الحد الأدنى للأجور وهو التحرك الذي استمر 30 يومًا كاملة. تعكس هذه التكرارية وجود خلل هيكلي في إدارة الموارد المالية والبشرية داخل القلعة الصناعية التاريخية. تتطلب المرحلة الحالية مراجعة شاملة للسياسات الائتمانية والتمويلية للشركة لضمان استقرار الأوضاع المعيشية لآلاف العمال الذين يمثلون العمود الفقري لصناعة الوبريات في المنطقة.

يؤكد ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي، أن "التأمينات الاجتماعية تستثمر في ودائع إلزامية دون عائد". ينتقد الولي سياسات الحكومة. يدعو لتعديل هيكل الأجور. يحذر من انهيار النظام الاجتماعي.

تتزامن هذه الأزمات الداخلية مع ظروف إقليمية بالغة التعقيد حيث رصدت التقارير تجدد العمليات العسكرية في لبنان مطلع مارس الجاري. سجلت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية سقوط 347 قتيلًا وإصابة 1102 آخرين جراء الخروقات المتتالية لاتفاق وقف إطلاق النار. تلقي هذه الأجواء بظلالها على المشهد العام وتزيد من حالة الترقب لمصير الاستقرار الاقتصادي في المنطقة. يظل ملف عمال وبريات سمنود مرهونًا بمدى قدرة الإدارة على الوفاء بالتزاماتها المالية والجدولة الزمنية للمديونيات المتأخرة لجهات التأمين الصحي والاجتماعي.