تكشف المعطيات المتداولة في الساعات الأخيرة عن انتقال لافت في إدارة إسرائيل لعملياتها العسكرية: من الضربات المحسوبة التي تحتاج إلى قرار سياسي مباشر، إلى منح الجيش هامشاً أوسع للتحرك الفوري اعتماداً على المعلومات الاستخبارية. ووفق ما نشره موقع أكسيوس وموقع الجزيرة على الإنترنت، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنّه ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منحا الجيش الإسرائيلي تفويضاً دائماً لاستهداف أي مسؤول إيراني كبير متى توفرت معلومات استخبارية كافية، من دون الحاجة إلى موافقة سياسية إضافية في كل مرة.

 

في الوقت نفسه، تتوسع العمليات الإسرائيلية في لبنان، مع تصاعد القصف والحديث عن منطقة عازلة جنوب الليطاني، ما يجعل المشهد الإقليمي أقرب إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات لا إلى مجرد ردود فعل متبادلة. 

 

https://www.facebook.com/watch/live/?ref=watch_permalink&v=1292805746106324

 

من “قرار اغتيال” إلى “تفويض دائم”

 

ما يجعل التطور الحالي بالغ الخطورة ليس فقط طبيعة الأهداف، بل الآلية نفسها. فالتقارير المنشورة لا تتحدث عن ضربة استثنائية ضد هدف محدد، بل عن نقل صلاحية القرار التنفيذي إلى الميدان بمجرد توافر “معلومة كافية”. هذا التحول يعني عملياً تسريع وتيرة الاستهداف، وتقليص المسافة الزمنية بين الرصد والتنفيذ، ورفع احتمال الخطأ وسوء التقدير والانزلاق إلى دوائر انتقام متبادلة. وحتى الآن، التوثيق المنشور علناً يربط هذا “التفويض الدائم” بكبار المسؤولين الإيرانيين تحديداً، بينما تظهر الجبهة اللبنانية في سياق موازٍ من توسيع الحرب على حزب الله، من خلال القصف والتهديد بعملية طويلة واحتلال أو شبه احتلال لمناطق جنوبية.

 

هذا المسار يتقاطع مع ما وصفته وكالة أسوشييتد برس بأنه استراتيجية “قطع الرؤوس” عبر استهداف القيادات العليا، وهي سياسة تقول إسرائيل إنها تهدف إلى إضعاف بنية الخصم ودفع الداخل الإيراني إلى التمرد. لكن التجارب التاريخية التي استعرضتها الوكالة نفسها تشير إلى أن اغتيال القادة لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك التنظيمات أو إسقاط الأنظمة، بل قد يفتح الباب أمام قيادات أكثر تشدداً أو شبكات أكثر مرونة. المثال الذي يستدعيه كثير من المحللين هو أن حماس وحزب الله امتصّا اغتيالات سابقة واستمرّا، بل أعادا إنتاج نفسيهما بأشكال مختلفة.

 

الاغتيال قد يربك الخصم.. لكنه لا يحسم الحرب

 

الخبيرة في شؤون إيران في “تشاتام هاوس” سانام وكيل ترى أن النظام الإيراني ليس نظاماً شخصانياً يمكن إسقاطه بضرب رؤوسه فقط، بل يقوم على طبقات مؤسساتية قادرة على ترقية بدائل من الداخل. وتضيف أن هذا النهج لا يصنع “ديمقراطيين”، بل قد ينتج “مقاتلين أكثر تصلباً” ويعيد نفخ الروح في نظام كان يعاني أصلاً من التآكل.

 

أما جون ألترمان، رئيس برنامج الأمن العالمي والاستراتيجية الجيوسياسية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فيحذر من أن المبالغة في الرهان على الاغتيال السياسي تتجاهل مرونة الأنظمة والشبكات العنيفة. وهو يرى أن النتيجة الأرجح ليست انهياراً منظماً، بل “إيران غير مستقرة داخلياً” وأكثر ميلاً إلى العنف خارج الحدود عبر الوكلاء أو الهجمات السيبرانية أو الإرهاب.

 

ومن زاوية بنية السلطة، يقول ريتشارد نيفيو، المستشار السابق لملف إيران في إدارات أميركية وباحث جامعة كولومبيا، إن الحرس الثوري يملك القوة الاقتصادية والسياسية وأجهزة القمع الداخلي، ما يجعله اليوم “مركز النظام” الحقيقي. وبحسب تقييمه، فإن الحرب لم تكسر هذا المركز بقدر ما شددت تماسكه، وهو ما يتوافق أيضاً مع تقديرات استخباراتية أميركية تحدثت عن بقاء النظام الإيراني قائماً، وربما أكثر تشدداً، رغم الضربات الثقيلة.

 

وعلى الجبهة اللبنانية، يرى مايكل يونغ من مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن إسرائيل لا تبدو وكأنها تكتفي بردع حزب الله، بل تتجه إلى إنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني، مع خطر جعل مساحات واسعة غير قابلة للحياة والعودة. ويضيف أن الدولة اللبنانية تواجه معضلة قاتلة: إذا حاولت نزع سلاح الحزب قد تنزلق إلى صدام داخلي، وإذا لم تفعل فقد تستخدم إسرائيل ذلك ذريعة للإبقاء على احتلالها أو توسيع وجودها العسكري.

 

ماذا بعد؟ تصعيد أسرع.. ونهاية أبعد

 

المحصلة أن إسرائيل قد تكون نجحت تكتيكياً في تسريع الاستهداف وإرباك دوائر القرار لدى خصومها، لكنها لم تثبت بعد أنها تقترب من حسم استراتيجي. في إيران، تشير التقديرات إلى أن النظام ما زال قائماً وأن الحرس الثوري يحتفظ بقدرة على الإمساك بالمشهد، بينما يواصل الضغط عبر مضيق هرمز والردود غير المباشرة. وفي لبنان، تتسع الكلفة الإنسانية مع نزوح يقارب المليون، وسط تحذيرات من أن أي احتلال طويل أو تدمير واسع قد يعيد إنتاج البيئة التي يتغذى منها حزب الله بدلاً من إنهائها.

 

لذلك، فإن أخطر ما في “التفويض المفتوح” ليس فقط عدد الأهداف التي قد يسقطها، بل كونه يحول المنطقة إلى ساحة قرار عسكري سريع، فيما تبقى السياسة غائبة والأسئلة الكبرى بلا إجابة: هل المطلوب ردع إيران؟ إسقاط نظامها؟ تفكيك حزب الله؟ أم فرض خرائط قوة جديدة بالقوة المجردة؟ حتى الآن، تقول الوقائع إن الاغتيال قد يغيّر الوجوه، لكنه لا يضمن تغيير المعادلات، وقد يسرّع الانفجار أكثر مما يقرب التسوية.